أشار البيان السعودي إلى ما يمكن اعتباره لحظة الانكشاف الإيرانية لما حدث في البحرين وفي الكويت من أحداث أشارت إلى حدة التدخل الإيراني الاستخباراتي، الذي يوضح بكل جلاء أنه لا ينطلق من خلفية سياسية وإنما من خلفية مذهبية طائفية

ما هي النار في تعريف القيادات السياسية في إيران؟ اللغة المرتبكة التي حملها البيان الأخير تشير إلى حالة من الدهشة والتلعثم الإيراني أمام ما حدث في البحرين، فقد كانت إيران تنتظر أن تفتح لها ملفا سياسيا جديدا في المنطقة تدير من خلاله أزمة تسهم في تشتيت التركيز الداخلي على ما تعيشه إيران من أزمة واقعية، وأن توجد لها في البحرين امتدادا للطموح الثوري الإيراني لتكرار تجارب قائمة في لبنان والعراق، ولأنّ النص السياسي الإيراني واللغة السياسية الإيرانية هي لغة طائفية بامتياز، تؤمن فعلا بأن الوازع الطائفي هو هويتها ومشروعها وتقوم بتوجيه كل مقدراتها السياسية لدعم هذا التوجه مما يعني إقصاء لكل أفكار التنمية والبناء والتواصل مع العالم، وتوجها مباشرا إلى هذا الهدف، بل وإعادة تعريف كيف أن تكون العلاقة بالعالم وإدارتها وفق مبرر ومنطلق طائفي خالص.
لم تنجرف السعودية على الإطلاق لهذا الأداء السياسي الإيراني القائم على طرح الطائفية كهوية تغيب أمام مفردات الفعل السياسي. ورغم وجود نداءات متشددة ظهرت هنا أو هناك ترى أن المواجهة مع إيران تقتضي إيقاد جذوة طائفية مقابلة، إلا أن السعودية تدرك أن العالم ليس إيران فقط، لكي تعيد تعريف ذاتها وفق محددات هذه المواجهة، علاوة على أن السعودية تدرك أنها دولة حديثة وذات مشروع وطني داخلي، وفي ذات الوقت لها مشروعها الساعي لإيجاد ودعم خرائط الاستقرار في المنطقة وفي العالم. وفيما تجعل إيران نجاد من الطائفية المبرر الأبرز تتخذ بالتالي من دول الخليج ومن السعودية خصما وهدفا، وتقع إيران في حرج بالغ كلما ثارت احتجاجات في الداخل الإيراني، ذلك أن دولة الأيديولوجيا تحرص باستمرار أن تقدم صورتها الداخلية على أنها تمثل استقرارا بفضل الضمانة العقائدية، وهو ما يكذبه الواقع.
الأسبوع الماضي قال ساسة إيرانيون إنهم يحذرون السعودية مما أسموه اللعب بالنار، وإن ذلك ليس في صالحها في منطقة الخليج الحساسة، وإن على السعودية ألا تتبع سياسات أميركا في المنطقة.
في الواقع، لقد جاء هذا البيان بعد أن كادت دوائر الاستخبارات الإيرانية تقفل ملف البحرين وملف الاضطرابات في البحرين بعد أنْ وجدت أن شبكتها عادت ممزقة عبر مياه الخليج العربي وأن انكشاف الخلية التي كانت تخطط في الكويت سوف يؤدي إلى حرج وكشف بالغ لطبيعة السياسة الإيرانية في المنطقة، أرادت إيران أن تقدم – إعلاميا – ما يحدث على أنه مواجهة سياسية.
سعوديا كان البيان الإيراني محل شعور بالاشمئزاز وإن لم يعبر عنه البيان السعودي صراحة، وظل ملتزما بلباقة ربما لا مكان لها في التعامل مع الأداء السياسي الإيراني الذي عبرت عنه لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية، التي لم تشر في البيان لما حدث في البحرين ولما حدث في الكويت، وفق منطق ينم عن ورطة المذهبي والطائفي، ليس فقط ممن يتخذ من هذه الأبعاد مرجعا في إدارة قضاياه السياسية، ولكن من تسبب في توجيه ضربة أراد من خلالها إحراج أبناء الطائفة الشيعية في المنطقة، والذين عبر كثير منهم عن سخطهم مما يحدث من تدخلات إيرانية فاضحة، ومما يتم الكشف عنه من مخططات، وكان حلمهم أن يجيروا مطالبهم في المساواة والحرية والإصلاح والتنمية بعيدا عمن يحاول القفز على تحركاتهم، وهو ما يفرض دورا فعليا على تلك القيادات في مختلف مناطق الخليج بأن تقدم خطابا وطنيا سوف يكسر حالة الاندفاع ويوضح حالة الخيبة الإيرانية، خاصة أن الجميع يدرك أن بداية الاحتجاجات والثورات في الشوارع إنما انطلقت في شوارع طهران الإيرانية في عام 2009 قبل أن تنطلق في أي بلد عربي، وأن حجم القمع والاعتقال الذي جوبهت به من قبل قوات الباسيج والحرس الثوري لا يمكن مقارنته بما حدث في تونس أو في مصر أو غيرهما، مما يشير إلى توجه إيراني لتقديم طهران كحامية للثورات لا كجهاز قمع ضدها.
بكل إيجاز، أشار البيان السعودي إلى ما يمكن اعتباره لحظة الانكشاف الإيرانية لما حدث في البحرين وفي الكويت من أحداث أشارت إلى حدة التدخل الإيراني الاستخباراتي، الذي يوضح بكل جلاء أنه لا ينطلق من خلفية سياسية وإنما من خلفية مذهبية طائفية، تدرك إيران أنها لا تملك سواها من المقومات السياسية في المنطقة لتحاول من خلالها إيجاد جذب لمن يشتركون معهم في المذهب، وكلنا نتذكر الموقف الإيراني مما قام به حزب الله في لبنان في مايو عام 2008 من تحركات عسكرية، والقول بأن إيران لا تتدخل أبدا في الشأن اللبناني! بينما هي تتدخل الآن وبكل حدة في شؤون دول منطقة الخليج.
ليست القضية في وجود دولة في المنطقة تبحث لها عن دور سياسي، فالخليج لم يتذمر من المواقف الأوروبية والأميركية مما يستجد فيه من أحداث، بل والأقرب من ذلك أنه لم يتذمر من المواقف التركية التي غالبا ما تكون حاضرة في كل قضايا المنطقة، إلا أن التذمر من الموقف الإيراني يفرض سؤالا يتلخص جوابه في أن المحرك الفعلي الإيراني ليس موقفا سياسيا بل هو باعث أيديولوجي بامتياز.
يبدو أن الخاسر الوحيد مما يحدث الآن في المنطقة هو شرعية السياسة الإيرانية التي تكسرت في طرقات طهران حين قمع الحرس الثوري المتظاهرين من الشباب، وفي العام الحالي حينما تورطت في فهم ما يحدث الآن على أنه مشهد يمكن اختطافه، مما يدل على أننا أمام جار لا يمكن أن يمثل كل إيران، فإيران خاتمي وكروبي بالتأكيد ليست إيران نجاد وخامئني؛ بين خطاب ينتصر للدولة، وبين خطاب متشدد ينتصر للمذهبية والطائفية، يمكن لنا أن نحدد من هو الذي يلعب بالنار.