لكل من يزور موقع هيئة الطيران المدني على الإنترنت، لن يفاجأ بالمعلومات القديمة المنشورة التي مضى على معظمها أكثر من خمس سنوات دون تحديث، وعلى رأسها التقرير السنوي للهيئة الصادر في عام 2005

الخميس الماضي كانت العاصمة الرياض على موعد سنوي مع العواصف الترابية الموسمية، مما تسبب في إرباك حركة الطيران وتعطيل خدمات المطار. لم تكن هذه العواصف مفاجئة لسكان الرياض، كما لم تكن مفاجئة لزوار مطار الرياض الذين اعتادوا وتوقعوا تردي الخدمات الأرضية للطيران المدني والخطوط الوطنية في مطاراتنا الدولية.
لكل من يزور موقع هيئة الطيران المدني على الإنترنت، لن يفاجأ أيضاً بالمعلومات القديمة المنشورة، والتي مضى على معظمها أكثر من خمس سنوات دون تحديث، وعلى رأسها التقرير السنوي للهيئة الصادر في عام 2005. على عكس معتقدات دول العالم الثالث، يعتبر الطيران المدني في دول العالم الأول خدمة مميزة تعكس الصورة الحقيقية لحضارة الدولة المضيافة أمام كافة المسافرين. سواءً كانت هذه الدول غنية لا تحتاج لتلميع صورتها، أو فقيرة تسعى لرفع مكانتها، إلا أن أهدافها جميعاً تتلاقى للارتقاء بخدمات طيرانها المدني والقفز بمراكزها إلى مصاف الدول العريقة في حسن تعاملها مع ضيوفها واستمالة حركة طيرانهم.
علماً بأن حكومتنا تبذل الغالي والنفيس لبناء وتطوير قدرات مطاراتنا الدولية، إلا أن الطيران المدني الذي بدأ خدماته قبل أكثر من نصف قرن، ما زال إلى يومنا هذا جهازاً مثقلاً بالبيروقراطية وبطء اتخاذ القرار. مطاراتنا ما زالت تعاني الأمرين من تراجع مستوى خدماتها وترهل فن ضيافتها، علماً بأنها من أكثر مطارات العالم تمتعاً بالمقومات الأساسية للمواسم المربحة والانفراد بالمزايا التنافسية. ولكن هذا لا يكفي لرفع مستوى الضيافة والبراعة في التعامل مع المسافرين. في الوقت الذي تربعت مطاراتنا الدولية على رأس قائمة أكبر المطارات مساحةً، فإن مراكزها العالمية في عدد المسافرين المترددين عليها وعدد الطائرات التي ترتادها تراجعت بشكل ملحوظ.
مطار هيثرو اللندني، الذي يعتبر أصغر مساحةً من مطاراتنا الدولية بحدود 160 ضعفا، حاز على المرتبة الأولى في عدد الطائرات التي ترتاده. ومطار دبي، الذي لم يكن محسوباً على خارطات المطارات الدولية قبل سنوات معدودة، جاء في المرتبة 15 عالمياً في عدد المسافرين بحدود 41 مليون مسافر سنوياً.
معظم التقارير الرسمية التي قامت بتصنيف أداء وخدمات 896 مطاراً دولياً في 192 دولة، خلت من أسماء مطاراتنا في عام 2010، بينما حازت معظم المطارات الخليجية، وغيرها من المطارات الآسيوية والأفريقية المغمورة على المراتب المتقدمة في هذا التصنيف.
المجلس العالمي للمطارات الدولية، المعتمد من منظمة إيكاو للطيران المدني ومنظمة أياتا للطيران التجاري، ويشارك فيه 575 عضوا يمثلون 1633 مطاراً دولياً في 179 دولة، أطلق قائمة أكثر المطارات الدولية ارتياداً للمسافرين، حيث واصلت معظم مطارات العالم تقدمها في عام 2010، بينما تراجعت مطاراتنا الدولية في مراتبها المتأخرة أصلاً.
جميع المطارات الدولية التي حققت مراتب متقدمة في هذه الإحصائيات تتمتع بعوامل مشتركة، قلما نجدها في مطاراتنا، ومن أهمها:
1. اعتماد إدارة وتشغيل هذه المطارات على شركات عالمية متخصصة، يشترط لتجديدها مدى قدرة هذه الشركات على جذب المزيد من المسافرين وتوفير الخدمات الأساسية لمرتادي مطاراتها، وتميزها بالخدمات المساندة التي لا تقدمها المطارات الأخرى.
2. اعتبار هذه المطارات جزءاً لا يتجزأ من المستوى الحضاري للدولة المضيفة وبوابتها الرسمية لاستضافة المسافرين. لذا فإن القائمين على إدارة شؤون هذه المطارات ملزمون نظاماً باحترام جميع المسافرين وتوفير كافة الحقوق والمزايا لهم، والإبداع في تشجيعهم على تكرار الزيارة.
3. استخدام المطارات الناجحة لمبدأ المسافر دائماً على حق لكونه الطرف الأهم في تعاقده المسبق مع هذه المطارات من خلال دفع تكاليف سفره الباهظة والشاملة استخدامه لمطارات الدولة المضيفة.
هذه العوامل الرئيسية منحت المطارات الدولية فرصة تعديل خططها الاستراتيجية لتحقيق الأمل المعقود عليها والهدف المأمول منها. وعلى طيراننا المدني الإسراع باقتباسها بدلاً من إعادة تصنيع العجلة، والعمل على تنفيذ خططها الناجحة بدلاً من إعادة دراسة خططنا. خطواتنا التنفيذية يجب أن تعتمد على برنامج زمني واضح المعالم يتحقق من خلال المحطات التالية:
أولاً: تحويل الكيان القانوني لهيئة الطيران المدني خلال العام الحالي إلى مؤسسة خاصة مرنة لتخرجها من بوتقة البيروقراطية الحكومية، ويضعها في مسار منظومة التشغيل التجاري البحتة، لترتقي بمستوى خدماتها التنافسية دون إرهاق ميزانية الدولة.
ثانياً: البدء فوراً بعقد اتفاقات إدارة وتشغيل المطارات السعودية على أسس تجارية بحتة مع الشركات العالمية المرموقة، واختيار مجموعة من خبراء الطيران الدولي لوضع خطة استراتيجية طويلة المدى، تهدف إلى رفع مستوى الأداء وتخفيض التكاليف الثابتة لهذه المطارات المكبلة بحجمها الكبير وكفاءتها الاستيعابية المتدنية، وذلك بالتضامن والتعاون والتنسيق المستمر مع هيئة الطيران المدني.
ثالثاً: اعتماد مبدأ المنافسة بين الخطوط السعودية والإقليمية والعالمية على أساس مستوى الخدمات الأرضية والجوية المقدمة للمسافر، وليس على أساس إرغام المسافر بضرورة استخدام الخطوط السعودية لعدم وجود غيرها في المطارات المحلية، أو لكون المسافر موظفاً حكومياً ومجبراً على استخدام خطوط الطيران الحكومية. هذا سوف يؤدي إلى الاستحواذ على قناعة المسافر بأنه أصبح شريكاً متضامناً مع الناقل الجوي في كافة الحقوق والواجبات، والذي يمنح المسافرين حرية اختيار الأفضل في أسفاره، مما يثري المنافسة بين شركات الطيران وتشجيعها على رفع مستوى كفاءة خدماتها من تلقاء نفسها.
نملك العقل والمعرفة، ولكن ينقصنا التخطيط السليم والعمل الدؤوب والكفاءة الإنتاجية، ليصبح كل مواطن فخوراً بخدمات الطيران المدني الوطني الجوية والأرضية.