وبتعبير القرآن (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، أو هي في عالم الثقافة بناء شخصيات من الحجج المعرفية بعد كدح ثلاثة عقود. والآية جاءت في مقدمة سورة آل عمران عن ذلك الجدل العقلي بين من يرى

وبتعبير القرآن (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، أو هي في عالم الثقافة بناء شخصيات من الحجج المعرفية بعد كدح ثلاثة عقود. والآية جاءت في مقدمة سورة آل عمران عن ذلك الجدل العقلي بين من يرى المتشابهات فيزيغ، ومن يقول كلّ من عند ربنا، في صدد الآيات المحكمات الواضحات والآيات المتشابهات.
وهذا النضج يتِّوج جهدا متواصلا في العقد الثالث من الكدح المعرفي، عندها ومع النضج تتوالى المؤلفات والمراجع وترشد الأمة برشد أبنائها، وهو ما فعله المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتربية جيل كامل على مدى ثلاثة عقود، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
وديناميكية هذا الفعل هو أن من نضج واستوى على سوقه بقراءة خمسة آلاف كتاب ومرجع، يصبح حجة في العلم، ونحن ما ينقصنا هم الخبراء، والخبراء هم أولئك الناضجون بين الاطلاع الواسع والخبرة الميدانية الكثيفة، من خلال جدلية متواصلة بين الممارسة الميدانية والاستزادة المعرفية آناء الليل وأطراف النهار.
وكما كان الحال في الطب، فحتى يخرج الاستشاري المتمكن يحتاج إلى رحلة ثلاثة عقود، كذلك كان الحال في النضج الثقافي. والطبيب الجيد هنا كما نراه ونحن نمارس هذا الفن المميز يعني أمرين؛ معلومات طبية واسعة بدءا من التشريح والفسيولوجيا حتى التشريح المرضي والأمراض السريرية والمخبرية والجينية وما يدب ويهب كل يوم من كشف أسرار خلق الله في الوجود وتأثيرها الصحي على الأنام.
وفي هذا الصدد أذكر ذلك الامتحان الأمريكي (ECFMG) في جيلنا الذي كنا نقدمه، ولا أدري إلى أين وصلت الأمور بعد مرور أربعين عاما، وكان علينا أن نحصل فيه على الأقل 75% كي يسمح لنا بمتابعة اختصاصنا في المشافي الأمريكية، مضافا لها فحص لغوي كتابي وسماعي، ولقد مكنني الله فنجحت فيه ولم تكن من المرة الأولى لصعوبته وكمية التحضير وضغط الوقت، ولكن ارتكبت أحد أخطاء حياتي فلم أسافر إلى أمريكا، فذهبت إلى بلد الجرمان حيث لا أستفيد من لغتهم إلا في أرضهم أو مجلاتهم التي تأتيني ولن يقرأها أحد من بناتي أو أحفادي فتموت في مكتبتي وهي على قيد الحياة.
وكنا في بيروت نقدم الامتحان على امتداد يوم كامل من الصباح إلى المساء في ثلاث فترات، الصباحية ثلاث ساعات فيها 180 سؤالا والمسائية مثلها، وبينهما نصف ساعة للفحص اللغوي، وهذا يعني دقيقة واحدة للإجابة على السؤال الواحد، وكانت من نوع أسئلة الأجوبة المتعددة (Multiple choice Questions)، وكان هذا الامتحان هو من النوع المعرفي الذي أتحدث عنه، أي تلك الثقافة الطبية الموسوعية، فقد يسألونك عن كمية الدم المتدفق إلى الكبد في الدقيقة، وقد يسألونك عن التركيب الكيماوي للأنسولين وقد يسألونك عن سرطان رأس البنكرياس وحصيات المرارة وانحباس البول واليرقان الصفراوي وتعسر الولادة وعظام اليد وجراحة الأعصاب وفتح الشريان المسدود وترقيع الجلد في كم مخيف من المعلومات يجب أن يغطى تماما، وكذلك هي حال الثقافة الموسوعية المعمقة بالطول والعرض. ومنه فإن الطبيب الذي يبدأ رحلة التخصص يجب أن يكون عنده من العشق والشغف المعرفي والاطلاع الواسع مايسمح له بممارسة هذه المهنة الإنسانية النبيلة، وليس فقد الكم الموسوعي من المعلومات، بل ذلك الجدل الذي لايتوقف بين الممارسة اليومية والمعلومات النظرية. وأذكر صديقي الطبيب الطرقجي حين كان يختص وسألته عن الفتق وكيف يحصل وأين، ولم يكن عندي أية معلومات. وأذكر جيدا حين خسرنا رجلا فقير الحال في مشفى المواساة في دمشق بعد تهشم أضلاعه وانصباب الهواء خارج كيس الرئة فمات بالاختناق الداخلي، كنا في حيرة من أمره ولا نعرف العلاج ونتصل بجراح الصدر عبثا وكانت حقلا فوضويا من العمل جعلني أزهد في الاختصاص في بلدي وأهرب إلى أوروبا.
وهكذا فالمثقف هو من غادر حقل التخصص وبدأ في قراءة شيء لا يعمل في حقله، فيفاجأ بتدفق الأفكار من نفس الحقول الجديدة على نفس الغرار. فينشأ نسيج معرفي في غاية الجمال مثل أية قطعة قماش رائعة.
والعلماء هم الكادر الذي يقي الأمة من الانهيار، لأن عناصر التغيير هي ثلاثة، أفكار يملح بها المجتمع، وشخصيات ناضجة، ومؤسسات مدنية علمية فعالة، فكما يقضى على الأمراض بثلاثة، طاقم فني (أطباء وفنيين وممرضات) ومؤسسات (مشافي ومخابر) ووعي صحي، كذلك الحال في كل قطاع من الاقتصاد إلى السياسة.