أقترح على الدولة نزع ملكية أراضي المنح أو غيرها داخل المدن وتعويضها بأسعار عادلة وغير مبالغة دون هضم الحقوق، وذلك لحساب وزارة الإسكان لبناء المشاريع الإسكانية الجديدة لذوي الدخل المحدود
التعليم والصحة والسكن من أهم عناصر الحياة للإنسان بعد الأمن. والحمد لله في بلادنا يأتي الأمن في مقدمة الخدمات المتميزة التي تقدمها الدولة، وهي حقيقة يشهد عليها جميع المواطنين والمقيمين.
أما العناصر الأساسية الثلاثة: التعليم والصحة والسكن، فهي من أضعف الخدمات المقدمة خلال العشر سنوات الماضية، ورغم الهالة الإعلامية التي تصاحب مشاريع التعليم النظامي إلا أنه وللأسف لم يتطور تطوراً يوازي طموحاتنا وهي قضية قديمة وتراكمات الماضي نتيجة تغيير السياسات والخطط حسب أهواء وتوجيهات القائمين على وزارة التربية والتعليم، وحسب الإمكانيات المتاحة، فتأخر التعليم وتأخرت خطط التطوير وهُجرت أفضل الكفاءات العلمية من وزارة التربية والتعليم وحظي ببعضها مجلس الشورى حيث يعتبرون إضافات ثمينة له، وتشوهت صور المدارس وعلى وجه الخصوص المستأجر منها، وتأخر مستواها نتيجة قصور الاعتمادات المالية، واستبشرنا خيراً بتعيين الوزير سمو الأمير فيصل وخطى خطوات إيجابية وتطويرية مدعوماً باعتمادات مالية. إلا أن الإصلاح والتطوير سيأخذ وقتاً ليس قصيراً إذا استطاع أن يتجاوز العقبات التي يواجهها وإذا لم تنجح الوزارة في هذا العهد المدعوم مالياً ومعنوياً فلن يكون في الأفق أملاً قريباً.
أما الصحة، فالحال يرثى له وهي أيضاً تراكمات من الماضي وللشهادة فإن بعض الوزراء السابقين قاموا بدور متميز ووضعوا الخطط وحشدوا الجهود، إلا أن العين بصيرة واليد قصيرة.
فالاعتمادات المالية لم تكن متاحة لمواجهة التوسع في الخدمات الصحية أو تطوير المشاريع القائمة وتأخرت الخدمات الصحية وعانى أبناء القرى والمدن والمناطق الصغيرة أكثر من معاناة سكان المدن الكبيرة، ولم تعد الخدمات الصحية متكافئة مع حجم النمو السكاني ونمو العمالة الوافدة وتدهورت العناية الصحية والأسباب معروفة ويصعب على المسؤولين السابقين التصريح بها وأحبط الجميع وفقدنا الأمل، ولولا الله ثم حرص خادم الحرمين الشريفين على دعم ميزانية الصحة والتعليم وتخصيص أكبر جزء في ميزانية الدولة للتعليم والصحة لما عاد الأمل لنا من جديد. وهو توجه حكيم وموفق لاستدراك الأزمة ومعالجتها لأن الوضع أصبح قريبا للكارثة. ولو نفذنا الخطط تدريجياً منذ عشر سنوات لما اضطررنا للمشاريع العاجلة ذات الميزانية الضخمة لمعالجة أزمة الصحة وهي إحدى أهم احتياجات الإنسان في الحياة. أما العنصر الثاني الأساسي لحياة الإنسان، فهو تأمين السكن اللائق وهي قضية أخذت تنمو منذ ربع قرن ولم نتدارك أمرها فتوسعنا في منح الأراضي داخل ووسط وحول وخارج المدن وألغينا وزارة الإسكان وكأننا أيقنا أن القضية انتهت ولم يعد هناك من يبحث عن سكن لائق، حتى فوجئنا أن أكثر من ستين في المئة من المواطنين لا يملكون سكناً ولا يقيمون في سكن لائق وأصبحت قضية تحتاج إلى حلول مما دفع الدولة إلى إنشاء هيئة الإسكان ثم تأكد لنا أن إعادة إنشاء وزارة للإسكان أمر ضروري لأن السكن أصبح من أهم الاحتياجات الأساسية للمواطنين ولهذا فقد وجه خادم الحرمين الشريفين على تخصيص ميزانية ضخمة لإنشاء خمسمئة ألف وحدة سكنية بخطة زمنية متدرجة. إلا أن معوقات توفير الأراضي ستظل هي أساس الأزمة وإن كان أمراء المناطق حريصين كل الحرص على توفير الأراضي اللازمة لمشاريع وزارة الإسكان، إلا أن بعض هذه الأراضي خارج المناطق المأهولة أو المجهزة بالبنية التحتية الأساسية للمجمعات السكنية مما سيؤخر بناء وإسكان هذه المشاريع في الوقت الذي تتوافر مساحات شاسعة من الأراضي المملوكة لأفراد أتت لهم عن طريق المنح أو تم شراؤها من أصحاب المنح بأسعار منخفضة وهي مساحات كبيرة جداً وبعضها يمثل جزءا من بعض المدن في وسطها ومن حولها ولم تتم الاستفادة من هذه الأراضي الشاسعة لسنوات طويلة وتحقيقاً لمبدأ المصلحة العامة، فإني أقترح اليوم على أصحابها من منطلق المسؤولية الاجتماعية ودعماً ومساندة لأبناء هذا الوطن من الطبقات الفقيرة والمتوسطة إعادة هذه المنح للدولة لإقامة مشاريع سكنية لذوي الدخل المحدود على أن تسمى هذه الأحياء أو المجمعات أو المدن السكنية بأسمائهم أو على نفس المبدأ تحقيقاً للمصلحة العامة؛ أقترح على الدولة نزع ملكية أراضي المنح أو غيرها داخل المدن وتعويضها بأسعار عادلة وغير مبالغة دون هضم الحقوق، وذلك لحساب وزارة الإسكان لبناء المشاريع الإسكانية الجديدة لذوي الدخل المحدود.
إن مبدأ نزع الملكية لحساب المصلحة العامة قائم وتم تطبيقه في مكة المكرمة لتوسعة الحرم الشريف وساحاته وفي المدينة المنورة لتوسعة ساحات المسجد النبوي بالإضافة إلى نزع ملكيات لإنشاء بعض المطارات أو لمرور خط قطار الحرمين والأمثلة عديدة.
إن قضية الملكيات الشاسعة للأراضي غير المستغلة تدفعني لطرح هذا الاقتراح خشية أن تتأخر مشاريع الإسكان بسبب عدم توفر الأراضي، مع علمي بأنه تم توفير مجموعة من الأراضي الحكومية لمشاريع الإسكان في كل منطقة من مناطق المملكة وقد أخذ ذلك وقتاً طويلاً للحصول عليها إلا أن الطلب على الإسكان ينبغي أن يتوازى مع نسب نمو السكان وهو أكبر من خطط الوزارة الحالية.
إن اقتراحي ينبع من أهمية المشاركة الوطنية لمعالجة القضايا الأساسية وإن المساهمة مع جهود الدولة لتوفير السكن اللائق لذوي الدخل المحدود يعتبر مطلباً وطنياً وإن المبادرة الذاتية أفضل من غيرها. ولنا أسوة في المواطنين المخلصين الأوائل فمنهم من قدم أفضل الأراضي الخاصة المملوكة لهم لإقامة بعض المدارس والجامعات والنوادي الرياضية تحقيقاً لمبدأ المشاركة والمسؤولية الاجتماعية.