الرواية التي يلعنها البعض وآخرون يرونها النبع
ما بين ظهور رواية (التوأمان) لعبدالقدوس الأنصاري عام 1930 التي تذهب جل الدراسات التاريخية إلى اعتبارها المحاولة الأولى لكتابة الرواية في السعودية، وما بين رواية ( شقة الحرية) للراحل بالأمس غازي القصيبي - رحمه الله - الصادرة عام 1994 م، مساحة هائلة من الزمن والمسافات الفنية التي شهدت فيها تجربة الكتابة الروائية في السعودية تحولات عديدة وعميقة، ولعل النقد يتوقف دائما عند المرحلة التي تلت مرحلة البدايات التي عرفت بالنفس التعليمي والوعظي، فالتحول الفني للرواية ظهر مع تجربتي حامد دمنهوري وإبراهيم الناصر في أواخر الستينيات الميلادية. اللتين ينظر إليهما باعتبارهما أفضل ما كتب في مرحلة ما بعد البدايات، من حيث تحقق عناصر البناء الروائي وتنويع طرائق السرد والخروج حسب الممكن من النفس التقليدي والسذاجة الفنية.
ثم خيم قدر من الهدوء فترة من الزمن، وظلت الإصدرات الروائية تظهر بخفر واسع وبأعداد محدودة ولأسماء معدودة لعل من أكثرها نضجا فنيا طبقا لدراسات نقاد ودارسين عبد العزيز مشري ورجاء عالم.
إلى أن كانت مطالع التسعينيات الميلادية، وتحديدا عام 1994 م حين أصدر القصيبي (شقة الحرية) التي ذهبت بعض الكتابات إلى اعتبارها سيرة ذاتية لكاتبها لتقاطع أحداثها مع جزء سيرة القصيبي. وفيما راح يلعنها البعض، كان بعض آخر يراها بمثابة (شقة الكتابة) التي فتحها القصيبي بكل ما حولها من اختلافات، فولجها عدد هائل ممن يكتب، وممن يمارس تمارين كتابية. وأنها صارت بمثابة نبع كتابي لتجاوز كل ما هو متعارف عليه أنه
(تابو) في الكتابة والثقافة العربية.
غير أن القصيبي لم يكترث لكل ما قيل، واستمر متدفقا في نتاجه الروائي فأصدر منذ 2000 م إلى 2007 ست روايات هي (دنسكو، حكاية حب، رجل جاء وذهب، أبو شلاخ البرمائي،، سلمى، الجنية). والأخيرة تندرج بحسب الناقد سحمي الهاجري فيما يعرف بنمط الروايات التي تحاكم العقلية غير العلمية، وتسخر من ضلالاتها المعرفية، وهي ضلالات أساسها الخيال السلبي، فرواية الجنية تسخر من الصورة المضخمة للجن في العقل التقليدي، وتقلص الأمر إلى 1% من جملة تلك الصورة أي فيما يتعلق بالأمراض العصبية والنفسية، أو بالتليباثي وما شابهه.
وإن كان بعض النقاد يرى أن روايات الشكل السيري من أقدر الروايات وأشملها منظورا في كشف تضاريس التحولات الاجتماعية، ومن أكثرها تنوعا في تطوير مداخلها، ويتمثلون برواية (شقة الحرية) التي اقتصرت على فترة محدودة من حياة البطل وهي فترة الدراسة في القاهرة حقبة الستينيات الميلادية، إلا أنهم في الوقت ذاته يعتبرون (شقة الحرية) بمثابة أول روايات الشكل السيري في المرحلة الحديثة للرواية السعودية، حيث جاء إطارها التاريخي محدودا لا يتعدى سنوات دراسة البطل ( فؤاد الطارف) في جامعة القاهرة، إلا أنها تسترجع حالة وواقع سكان الخليج والجزيرة العربية في الماضي القريب، وتستبطن أزمنة لاحقة، تنضج فيها المفارقة بين سقوط شعارات التيارات القومية في المركز، وارتفاع درجة الوعي عند أهل الأطراف، بحسب الهاجري الذي يتوصل في قراءاته لـ (شقة الحرية) إلى أن أوان الكشف عن مذكرات تلك الفترة يأتي بعد ثلاثين عاما بهدف أخذ الحكمة والعبرة، أكثر مما هو اصطحاب رونق الشعر لإيناس الوحشة في واقع غير ودود بمجمله، وإن كان المعنيان يمكن أن يفهما معا.
وإذا كان ثم شبه اتفاق بين النقاد والدارسين حول أن شقة الحرية عززت جراءة الشباب في مقاربة التابو الاجتماعي من خلال فن الرواية، إلا أن الناقد سعيد السريحي راح يحمل القصيبي العبء والمسؤولية عن استسهال كتابة الرواية الذي تفشى في السعودية بشكل محموم عقب صدور ( بنات الرياض) 2005 لرجاء الصانع بسبب كتابته مقدمة الكتاب، تلك المقدمة التي رآها النقاد وما يستنتج من رأي السريحي أنها منحت مشروعية الفن الروائي للعمل الذي يتحفظ عليه ولا يزال بعض من النقاد.
لكن طرفا ثالثا يرى أن تقديم القصيبي يندرج تحت جملة من الدوافع منها ما ينطلق أساسا من آلية تفكير القصيبي، وبنية مفاهيمه الفنية التي تنزع غالبا وتزداد في ظرف تاريخي معين إلى تغليب الأثر التقدمي الاجتماعي، على عمق وجودة الفن وفقا لمعايير الفن وشروطه الصارمة والقاسية والتي يؤكد المتحفظون على العمل (بنات الرياض) أنه لم يستند إليها أو يعرها العمل كبير اهتمام.
فيما بدا بعض هؤلاء المتحفظين - برحيل القصيبي- كمن يحدق في الأفق وهو يردد مقطعا للقصيبي (أسقي الزهور في غيابك ولكنها ترفض أن تنمو).