تقف المجالس البلدية موقف المتفرج العاجز قليل الحيلة مما يُشبه العبث بالمال العام، فلا هي استطاعت القيام بالحد من ذلك الفساد، ولا هي حققت الطموحات المعقودة عليها جماهيرياً. وهو ما يوقعها في حرج كبير مع المواطنين

المتتبع لأحوال المجالس البلدية بجازان ـ مثلا ـ سيقتنع بأن الجدوى الحقيقية من وجودها لم تتحقق بالشكل النموذجي بعد، وسيرى أن وجودها كان ولا يزال صورياً أكثر منه فعلياً، وهذا على مستوى عام أيضاً، إذ إن هامش الحركة الفعلي ظل مقيداً إلى حد بعيد في واقعه وكينونته. وبدا ذلك جلياً خلال أطروحات دورتها الأولى التي امتدت لست سنوات. وقد شكل ذلك خيبة أمل كبيرة للمواطن الذي استبشر خيراً باستحداثها، لعلها تقوم بما يحقق آماله وطموحاته، خاصة فيما يخص كبح جماح ما يُعتقد أنه فساد مصاحب لتنفيذ المشاريع البلدية كمشاريع الطرق وسفلتتها على سبيل المثال لا الحصر، وعجزها عن تقليص، وليس القضاء (حتى لا نكون حالمين)، حجم الغش المقيت الذي تمارسه بعض الشركات المنفذة لتلك المشاريع، وكذلك فقدها لحق التدخل فيما يتعلق ببنود العقود الموقعة مع الشركات المنفذة، مما يجعلها عملياً غير فاعلة على صعيد التأكيد على أهمية تقيد الشركات بالمواصفات القياسية، التي تضمن عدم تلاعب الشركات المنفذة بالجودة من خلال تلاعبها بمواصفات المواد الأساسية للمشاريع الموكلة إليها، والذي بات سمة تميز مشاريع البلديات في بعض محافظات جازان، وتحديداً مشاريع الطرق وغيرها في محافظة المسارحة. فعلى سبيل المثال استخدام بعض الشركات التي تنفذ مشاريع الطرق والسفلتة لسائل الكيروسين (القاز) وخلطه مع مادة القار (الزفت) لزيادة كميته على حساب جودته، بدلاً من استخدامه دون إضافات تسهم في إضعاف أدائه، وهي المادة الأساسية المستخدمة مع مواد أخرى تشكل فيما بينها مادة الإسفلت. وهذا الغش يتسبب في قصر العمر الافتراضي للطريق بشكل كبير جداً، إذ خلال ستة أشهر فقط من تنفيذ السفلتة ستجد أن الطريق قد تحول لحصى ومجموعة هائلة من الحفر..! أضف إلى ذلك البطء غير المبرر في تنفيذ المشاريع، والذي يعود سببه للتعاقد مع شركة واحدة يمكنها أن تحصل على حقوق تنفيذ أكثر من مشروع في أكثر من محافظة دفعة واحد في ظل ضعف عدد العمالة ونوعيتها، التي غالباً ما تكون عمالة رثة غير مدربة أو ماهرة أو متخصصة. وهذا احتكار يقول أصحاب القرار في البلديات إنه عائد لقلة الشركات بالمنطقة، فمشروع شق وتعبيد طريق بطول ( 15كلم ) مثلاً قد يأخذ سنة بأكملها وربما أكثر من ذلك، والشواهد كثيرة بمحافظات جازان، وبمواصفات وجودة مخيبة للآمال لا تعكس صورة المشروع على مخططه الورقي، ولا واقع حال الإنفاق المالي الذي تضخه الدولة من أجل اتمامها بشكل نموذجي.
وهنا تقف المجالس البلدية موقف المتفرج العاجز قليل الحيلة مما يُشبه العبث بالمال العام، فلا هي استطاعت القيام بالحد من ذلك الفساد، ولا هي حققت الطموحات المعقودة عليها جماهيرياً. وهو ما يوقعها في حرج كبير مع المواطنين الذين لا يجدون تبريراً منطقياً لمثل ذلك الموقف السلبي للمجالس البلدية. ومن الأمور المحزنة لتلك المجالس ما يتعلق بإهمالها للدور الإعلامي التوعوي الذي يكاد يكون غائباً تماماً، للتعريف بنفسها في أوساط مجتمعاتها، وبدورها وآلية عملها وتواصلها مع المواطنين، فتخيل ألا يعرف السواد الأعظم من السكان في بعض المحافظات من هم أعضاء مجلسهم البلدي أو كم عددهم حتى، وليقتصر العلم بذلك على مستوى النخبة فقط، وهو ما يحدث في أغلب المحافظات بمنطقة جازان، وهذا يرسم علامات استفهام كبيرة حول تلك المجالس وإداراتها وعملها ومقدار تواصلها مع المجتمع. كما أن استمرار جهل المواطن بثقافة الانتخاب والتصويت لمن يخدم لا لمن يعرف، أمر تتحمل جزءا من مسؤوليته المجالس البلدية الحالية التي أهملت الشق المرتبط بذلك خلال دورتها التي تبقى عليها بضعة أشهر فقط، وإن كان ذلك غير مدرج في قائمة مهامها. ومن السلبيات التي جعلت المجالس البلدية محدودة النفع (الازدواج الوظيفي) الحاصل حالياً، والذي تجيزه قوانين حق التقدم والترشح لانتخاباتها وتعييناتها، مما يجعلها نصف مشلولة عن أداء مهامها على الوجه الأكمل. وفي ظل هذا الوضع تُحرم العديد من الكفاءات العاطلة عن العمل والقادرة على سد المكان بشكل أكثر جدوى وفاعلية. والقارئ لمواد اللائحة التنفيذية لعمل المجالس البلدية، سيكتشف حجم ومدى الصعوبة التي سيواجهها غير المتفرغ في تطبيق نصف المهام الواردة فيها على أكمل وجه، فكيف بتطبيق كامل المواد المدرجة باللائحة التنفيذية؟ وأقترح أن تعيد الوزارة النظر في هذه النقطة تحديداً، ولتبدأ في وضع خطط مستقبلية لدورات تدريبية للعناصر التي يتم انتخابها أو تعيينها، حتى لا تذهب نصف الجهود ونصف الآمال دون فائدة، على أن يتم توسيع نطاق أنشطة ومسؤولية المجالس البلدية لتشمل الصحة والزراعة والماء والكهرباء ليتحقق الهدف المنشود والأسمى من وجودها المتمثل بضمان حقوق الوطن والمواطن.
في الوقت الذي لا أستطيع فيه نكران وجود نماذج فردية مضيئة لبعض المجالس البلدية في بعض محافظات المنطقة، وشواهد بعض أنشطتها ومنجزاتها الطيبة، كالمجلس البلدي بمحافظة صامطة مثلاً، لكنها على الرغم من ذلك تبقى نقاطاً صغيرة، حاولت وبذلت مجهوداً مضاعفاً لترسم صورة صغيرة جميلة عما يمكن لهذه المجالس أن تصنعه في محيط واقعها الاجتماعي عندما يكون الهم حقيقياً.