شبان يشوهون المرافق العامة بالتكسير والكتابة
السلطان: تكلفة إصلاح العبث تجاوزت تكلفة إنشاء بعض المشاريع
لشهر رمضان المبارك، الكثير من المعاني ذات البعد الاجتماعي، فهو لا يقف عند حدود علاقة ثنائية بين العبد وربه، صياما وصلاة، بل يتعداها لمساحة أوسع، تشرك فيها مكونات المجتمع، ضمن مفهوم الشراكة في الحياة، عبر الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتجاه البيئة التي يقطنها الإنسان.
ترابط قديم
مشاهد الصغار، أو الشبان الذين يحملون أطباق الطعام، يوزعونها على جيرانهم أو الأقارب، عادة سنوية رمضانية، في عمقها تشكل بنية ترابطية، تحافظ على ما تبقى من ممارسات قديمة، كانت بمثابة شبكة ضامنة لسلامة المجتمع وتعاطفه. سلامة بات الناس بأمس الحاجة لها اليوم، خصوصا مع بروز ظواهر أخذت تعبث بـالأملاك العامة، كونها ملكا لـالدولة لا الفرد، معتقدين أن الضرر لن يطالهم بخرابها، متناسين أنها أنشئت من أجل راحتهم، والترفيه عنهم، وخدمتهم.
الأنا المفرطة
في ساحات بين الأحياء، تجد شبانا تجمعوا، جلسوا على الأرصفة، وراحوا يخربشون عليها، رسومات وعبارات تخدش جمالها، فيما آخرون، أطلقوا العنان لعجلات سياراتهم، لتعيث تخريبا في الشوارع، عبث طالما صاحبته مظاهر عنف وتخريب، لأعمدة الإنارة، أو الحدائق، وسواها، والسبب هو الأنا المتضخمة، والمفرطة في تقديم نوازعها الذاتية على الصالح العام.
التعليم هو الأساس
التعليم والتنشئة هي أولى الخطوات التي تقود للحفاظ على الممتلكات العامة، وهي الخطوة التي إن غابت، فإن جميع الحلول الأخرى لن تجدي نفعا. وفي هذا الصدد، وحول السعي لجعل المحافظة على مكتسبات الوطن ومرافقه العامة سلوكاً بشرياً، بين مدير عام التربية والتعليم للبنين بمنطقة القصيم، فهد بن عبدالعزيز الأحمد، أن السياسة العليا للتربية والتعليم بالمملكة، تنص في عدد من موادها على احترام الحقوق العامة، التي كفلها الإسلام وشرع حمايتها، حفاظاً على الأمن، وتحقيقاً لاستقرار المجتمع المسلم في: الدين، والنفس، والنسل، والعرض، والعقل، والمال، وكذلك التأكيد على التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع: تعاوناً، ومحبة، وإخاء، وإيثاراً للمصلحة العامة، على المصلحة الخاصة. لذا فإن الأحمد يؤكد على أن الجهود التربوية التي تبذل من قبل إدارات التعليم، هي من صميم القيم الإسلامية، التي تحث وتكرس على الحفاظ على جميع مقدرات ومكتسبات الوطن، عامة كانت أم خاصة، وذلك من خلال غرس روح التكافل والتعاون، وتأصيل نظرة المال العام ومرافقه، كأنها مال خاص، وذلك عبر تكثيف الجهود والبرامج التربوية، سواء في الأندية الصيفية، أو المناشط التعليمية المدرسية، التي تتم متابعتها وتقييمها، لتحديد واستمرار مسارها، نحو تشكيل اللبنات التأصيلية في أفكار الطلبة والنشء، لما فيه خدمة هذا الوطن، والمحافظة على مقدراته ومعالمه.
تجريم قانوني
أمين منطقة القصيم، المهندس أحمد السلطان، بين لـالوطن، أن التعدي على المرافق العامة، بالعبث المتعمد، جريمة متعارف عليها عالمياً، ولها مصطلحات خاصة في بعض لغات العالم، فهي تدعى بالإنجليزية ARSON، مشيراً إلى أن أي مطلع على تقارير الجريمة في المدن العالمية، سيلحظ وجود هذا البند مع بنود الجريمة الأخرى، كالسرقة، والقتل والاغتصاب، غير أنه ـ كما يذكر السلطان ـ لا توجد مثل هذه الإحصائيات والرصد في مدننا حتى الآن، حيث لم تدخل هذه الجناية في الجرائم التي تقع تحت الرصد، ولم نسمع عن أي عقوبة أوقعت على أحد مرتكبي هذه الجريمة، وقد تكون الجهات المالكة للمرافق قد تسببت في عدم الحد من هذه الظاهرة, نتيجة عدم المطالبة بحقوقها. مضيفاً في معرض حديثه إن ما يزيد من صعوبة هذه الجريمة، أن غالبية من يرتكبها من الأحداث، كما أن وقوعها على ممتلكات عامة يقلل من دوافع المتابعة، مؤكداً أن من أساليب المواجهة للحد من هذه الظاهرة، سعي الأمانات والبلديات، إلى تصميم مرافقها بشكل يقلل من فرص تعرضها للعبث.
المرافق من أجلي
وفي سبيل زيادة وعي الناس، ذكر المهندس السلطان، أنه تم تخصيص يوم الأمانة الثالث لعام 1430هـ، لتنفيذ برنامج توعوي عن هذا الموضوع، تحت مسمى المرافق من أجلي، حاولوا من خلاله مع شركائهم في وزارة التربية والتعليم، رفع درجة الوعي لدى الفئة العمرية، المستهدفة بمخاطر العبث بالمرافق العامة، بالإيضاح من خلال معرض حي في إحدى الساحات البلدية، عن تكاليف كل سلوك سلبي، مثل كسر فانوس كهربائي، أو إتلاف صنبور مياه، أو الكتابة على لوحة إرشادية، بالإضافة إلى وسائل توعوية إعلانية مختلفة، بأسلوب حديث وعصري، ومحاضرات وندوات عامة، قامت بها مجموعة من المسؤولين بالقطاع البلدي، وعدد من التربويين، في عدد من المدارس، للتوعية في سلبيات هذه السلوكيات.
ضرورة التجريم
هذه الجهود التوعوية، والمعارض الإرشادية، يجب أن تتعاضد مع خطوات أخرى، بحسب ما يراه أمين منطقة القصيم، المهندس السلطان، الذي أمل في أن تبدأ الجهات المسؤولة بتجريم هذا التصرف، عن طريق تطبيق لائحة حماية المرافق العامة، وأن تسعى جميع الأطراف المعنية لضبط بعض هذه التصرفات، وتطبيق النظام بحقها، وفق الآليات النظامية المرعية، ما يساهم ذلك في تضييق فرص وقوع هذه الجريمة، الأمر الذي سيوقف التكاليف الكبيرة التي تخلفها مثل تلك الجرائم، في العنصرين المادي والبشري، حيث إنه في بعض المشاريع، تتجاوز تكاليف معالجة العبث، تكلفة المشروع الأساسية على مدى زمني قصير.
روح الجماعة
السلوكيات البشرية، لها نوابعها الذاتية والنفسية، التي لعلماء النفس قراءتهم الخاصة لها، وكل مصلح له أبعاده التي إذا لم يعها الفرد، لن يستطيع أن يتلاءم سلوكه معها، حيث بين أستاذ التوجيه والإرشاد النفسي بجامعة القصيم، الدكتور عبدالعزيز الأحمد، أن مصطلح المصلحة العامة، أمر يظهر الروح الجماعية، التي تتجاوب مع نداء الفطرة الإنسانية، كون الإنسان مدنيا بطبعه، لذا يتجه الفرد نحو الجماعة كتلبية لنداء داخلي، ليبين الأحمد أن هذه الاستجابة تتمايز عبر ثلاثة أنواع، تتلخص في: استجابة مفرطة، يذوب الإنسان فيها مع متطلبات الأسرة والمجتمع، ناسياً نفسه وحاجاته، ومن ثم لا يحقق له نجاحا أو مكتسبات واضحة، فإذا ما أصابته صدمة أو مصيبة، قد يرجع بانعزال ونظرة قاتمة للذات وللمجتمع. والقسم الثاني، أناس لا يهمهم إلا المصلحة الشخصية، حتى ولو على حساب المجتمع، ضاربين عرض الحائط بالمصالح العامة وحقوق المجموعة أو الأسرة،، ويضيف الأحمد في تعداد هذه الفئات أما الفئة الثالثة، التي عليها المعول في تصحيح الكثير من سلوكيات المجتمعات السيئة، هم من يخرجون بين حقوقهم الشخصية والسعي في تحقيقها، وفق متطلبات حقوق المجتمع والمصالح العامة، فالشخص منهم يبني نفسه بيد، ويعطي يده الأخرى للمجتمع، مؤكداً أن أصحاب تلك الفئة يعلوهم الهدوء، وتملأ حياتهم البسمة، ويفرحهم مسار المجتمع، والمحافظة على مصالحه العامة.
الفطرة السليمة
يبين الأحمد أنه غالبا ما يلاحظ علماء النفس، أن من عاش بهذه الفطرة، هم من ساهموا في بناء المجتمع في جميع مجالاته: الشرعية، والسياسية، والتربوية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، مؤكداً أن هذه النظرة التي تجمع بين احترام الذات، وتقدير مصالح المجتمع وحقوقه، وتأتي للإنسان من خلال عقله الثاقب، وخلفيته الشرعية، وخبرته الواسعة، ونصحه الكبير، واستشارته الدائمة، وتأمله المتكرر، وحسن التدبير.
روحٌ إسلامية
الشيخ الداعية الدكتور عائض القرني، تناول هو الآخر مفهوم المصلحة العامة، وفق منظور ديني، يؤطر المنهج القويم، الذي يستلزم من الجميع أن يتمثلوه، كي تحقق المجتمعات المسلمة روح التكافل والتآخي، الذي أثبته الدين الإسلامي، بقوله إن الإسلام جاء يدعو إلى الأخوة الإسلامية، والأخوة الإنسانية تحت مظلة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فلا جنس يعلو على جنس، ولا لون على لون، ولا ذات تعلو على ذات إلا بالتقوى. مبيناً أن روح الإخاء والوحدة والتعاون، ظاهرة في نصوص الكتاب والسنة، بيد أن الإنسان بأنانيته، إذا انفصل من الوحي المقدس، عاش عدوانياً شرساً، لا يعترف إلا بنفسه، فهو يعيش (الأنا)، فلا يعيش إلا لذاته، ولا يعترف بغيره، فتجده حسوداً، جموعاً منوعاً، ومن هنا نشأت العداوة بين البشر، والتقاتل والتناحر، حتى قال أبو الطيب المتنبي: كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً، رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا.
الإخاء الأول
وفي سبيل علاج المشكلة من وجهة نظره، يصف القرني وصفة تمنى أن تعود للبشرية بالصلاح والخير، بأن أكد أن ذلك لا يتم إلا بتذكر الإخاء الأول، حيث إن الجميع أبناء رجل واحد وأمة واحدة، آدم وحواء. ثم الإيمان بما دلت عليه الرسالة الخالدة، من التحاب والصفاء، والمودة، ونبذ الشقاق، والفرقة، والاختلاف، وهي أمور برأيه في حال تعزيزها، من شأنها أن تقف حاجزا منيعا، أمام تعدي الفرد على المرافق العامة، التي هي ملك للجميع.