السياسات موجودة في رأس المسؤول الأول بالوزارة يغيرها ويبدلها ويلغيها متى شاء. وإذا جاء مسؤول بعده فيمكنه بسهولة فائقة إلغاء 'كل' ما فعله سابقه ليقر قرارات أيضاً موجودة في رأسه

هناك خلط كبير حتى في ذهن كثير من المسؤولين بين النظام والسياسة.. فالنظام هو الذي تسير بموجبه الإجراءات اليومية للمؤسسة ويقوم عليه إداريون يسمون مديرون يحرسونه وينفذونه ويعاقبون من يخالفه ويضمنون سير الإجراءات اليومية بشكل منتظم وسلسل. هؤلاء المديرون يسيرون على نهج محدد قائم على سياسة محددة لها رؤية ورسالة وأهداف يعرفونها جيداً لكنهم لا يصنعونها. وهناك قادة في المؤسسة ليس من صميم عملهم الالتهاء بالإجراءات اليومية التي تضيع وقتهم وتستنفده بل يتركز صميم عملهم على قيادة المؤسسة برسم سياستها وتحديد المشروعات الكبيرة فيها وفقاً لتلك السياسة والاستمرار في التغيير والتبديل في آليات تنفيذ تلك السياسة لا في السياسة نفسها. وفق المقتضيات التي تتحدد بعوامل مختلفة منها التطور الذي يحدث في المجتمع والمستجدات وغير ذلك من العوامل.
لكن المهم أن هناك فصلا بين عمل المدير وعمل القائد. الذي يحدث هو أولاً أن وزاراتنا تفتقد للسياسات التي لا تسمح بداية للوزير القادم أن يلغي مشروعات سلفه ويهدر الجهد والمال والوقت الذي قد نصاب فيه بالذهول إذا عرفنا حجمها. وثانياً أن يستمر الإنجاز وترتفع نسبته بدلاً من إعاقته عن طريق القادم الجديد والعودة إلى مربع الصفر لتستمر هذه الحركة السلبية في الذهاب والإياب لتبقى مؤسساتنا مراوحة مكانها. قد يسأل سائل سؤالاً قد يبدو منطقياً في ظاهره. هذا السؤال هو: هل كل الجلبة والعمل الذي نراه في وزاراتنا يسير بلا سياسة؟
الجواب الذي أظنه: نعم. فالسياسات موجودة في رأس المسؤول الأول يغيرها ويبدلها ويلغيها متى شاء. وإذا جاء مسؤول بعده فيمكنه بسهولة فائقة إلغاء كل ما فعله سابقه ليقر قرارات أيضاً موجودة في رأسه يستطيع تغييرها متى شاء وإلغاءها متى أراد بصرف النظر عما صرف من مال وجهد ووقت. والحق أن ذلك يجب أن يتوقف وألا نستمر في هدر أموالنا ووقتنا وجهدنا. وتبقى إنجازاتنا مجرد ردود أفعال فقط دون رؤية ثاقبة مبنية على سياسات متجددة ومدروسة تقوم على الماضي وتعالج الحاضر وتتوقع المستقبل.
لكن السؤال كيف يجب أن يتوقف؟ وكيف يمكن تنفيذ ذلك؟
أقترح أن يطلب من كل وزير تقديم سياسة وزارته. السياسة فقط. ليس النظام وليست المشروعات. السياسة فقط. وألا يقر أي مشروع أو يعد أي نظام إلا بعد الموافقة على سياسة كل وزارة. بعد مناقشتها في مجلس الشورى وإقرارها من المقام السامي بعد دراستها من أجهزته وفق الدورة التي يمر بها كل نظام يقر من قبله. سيقفز في ذهن من يقرأ هذا الاقتراح مشكلة كبيرة، وهي الوقت. صحيح أن هذا يأخذ وقتاً كبيرا. لكننا بين نارين وأهونهما ألا نستمر في السير الذي يؤدي بنا إلى إلغاء وتأخير وتعطيل كثير من المشروعات. والمضي في سياسة ردود الأفعال. هل تريدون أدلة؟ خذوا هذه الأسئلة؟
ادرسوا مشروعات بعض الوزارات لتعرفوا: كم ألغي منها بعد صرف الكثير من المال والجهد والوقت؟ ولتعرفوا كم من المشروعات كان على أهبة الانطلاق؟ حتى إذا ما جاء الخلف ظن أنه المنقذ من كارثة ستحل لولا أنه بتوفيق الله أوقفها عن طريق إلغاء المشروع الذي كان في مراحله الأخيرة للانطلاق. ذلك كله لأن وزاراتنا تقر مشروعاتها وتعمل بنظام اللجان والاجتماعات وردود الأفعال دون وجود سياسة محددة تسير على ضوئها وتقر مشروعاتها بموجبها.
بلادنا تشهد أرقاما كبيرة في ميزانياتها ونصرف وقتاً وجهداً لتنفيذ مشروعات ضخمة ليس هناك أي مانع يمنع من إلغائها بجرة قلم. من السهل والأيسر ألا يقيد المسؤول نفسه بسياسات محددة تحد من صلاحياته وتقيده لكن الأصلح أن يشكل المسؤول وجميع القياديين ما يسمى إدارة تنفذ سياسات معدة مسبقاً. هذا يحد من التخبط في القرارات والمشروعات وفي تأخير المسيرة والتطوير ومسايرة العصر. أعتقد جازما أن ما نعانيه من تأخير في تطوير كثير من مؤسساتنا هو بسبب أن وزاراتنا تسير بلا سياسات.
لدينا ميزانيات ضخمة في جميع مناحي التنمية كالتعليم والصحة والإسكان وتتبعها مشروعات كبيرة في الطرق وخدمات النقل وغيرها من الخدمات التي يجب أن تنعكس إيجابياً على حياة المواطن ومعيشته ورفاهيته. وعندما يرى المواطن أرقام الميزانيات المرتفعة فإنه يسر لأنه سيستمتع بمستوى خدمات متميزة تتناسب مع حجم الإنفاق.
بعد إقرار السياسات يكون هناك نظام مساءلة للمسؤول الأول عن كل قطاع بحيث يعرض على جهة متخصصة بمستوى يتناسب وحجم مسؤولية المسؤول تناقشه بعمق عن تحقق الجوهر في مشروعات قطاعه لا تحقق المستوى المظهري.. وهناك فرق كبير.. نناقشه كل سنة عن نسبة الإنجاز وفق سياسته المعدة... يعرض فيها نسبة الإنجاز ومستواه والمشكلات التي تعترض الإنجاز والحلول المقدمة لحلها والوقت المحدد لذلك الحل ثم تسأله في السنة الأخرى عن مدى نجاح الحلول التي طرحها وهل تم بالفعل النجاح في تخطي الصعوبات والمضي لتحقيق نسبة الإنجاز في العام الثاني وفق الخطة.. وهكذا.. هنا يعرف المسؤول أنه أمام مسؤولياته وجها لوجه بمكاشفة صريحة وعميقة.. تضعه ومعاونيه أمام مسؤولياته.. بدون هذه الخطوة.. سنبقى أمام دفاع هجوم سطحي لا نصل فيه إلى العمق الذي يضمن التعرف بشكل شفاف على حقيقة مشروعاتنا؛ ما أنجز منها وما لم ينجز وكيف أنجز ومتى ينجز.
وهناك بعد ثالث لهذه القضية وهي أن ميزانياتنا بأحجامها الكبيرة تتضمن مشروعات ضخمة وعديدة وضخامتها وتعددها قد يحولان دون وجود الشركات التي تتناسب مع مستوى هذه المشروعات.. وقد كانت هذه المشكلة سببا أساسياً في عدم تنفيذ العديد من المشروعات في الماضي.. وحل هذه الإشكالية بشكل مؤقت لا يجدي.. وقد يكون في اندماج بعض الشركات الوطنية حلاً مستديماً إذا أردنا ضمان تنفيذ مشروعاتنا وخططنا بالشكل والمستوى المناسبين.
إنها صدمة كبيرة عندما يسمع عن مشروع عملاق وضع في الخطة ورصدت له المبالغ الكافية ولم يتحقق أو أنه ألغي أو تحقق بمستوى مترهل لعدم قناعة القادم الجديد به.. ولضمان تحقق المشروعات التي وضعتها الدولة وبالمستوى الذي خطط له أقترح أن هذه الأموال الطائلة والمشروعات الضخمة ينبغي أن تسايرها سياسات محددة المعالم مقرة من أعلى جهة في الدولة ولا يمكن تعديها أو تبديلها أو إلغاؤها بجرة قلم مسؤول عن طريق لجنة أو اجتماع أو انطباعات. إن تم ذلك وإلا فإن الخوف على ميزانياتنا وخططننا سيبقى قائماً.