مع بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، ظهر تحول كبير في السياسات الاقتصادية يفضل تصغير الحكومة وإبعادها قدر المستطاع عن كافة ميادين العمل الاقتصادي.

مع بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، ظهر تحول كبير في السياسات الاقتصادية يفضل تصغير الحكومة وإبعادها قدر المستطاع عن كافة ميادين العمل الاقتصادي. وقد تجلى ذلك التحول في مقولة الرئيس الأميركي رونالد ريجان: إن الحكومة ليست حلا لمشكلاتنا، الحكومة هي المشكلة. وبدأت بعد ذلك سياسات الخصخصة في الانتشار وحظيت بجماهيرية واسعة. ولأجل دعم ذلك التوجه الجديد، تم التبشير به في قارات العالم كلها عن طريق العولمة وفتح الحدود وتحرير التجارة وتخفيف القيود على الأسواق المالية. وتسببت النقطة الأخيرة في كارثة الأزمة المالية العالمية عام 2008، واضطرت الحكومات الصغيرة إلى التدخل في الأسواق بشكل سافر، ضاربة عرض الحائط بقواعد السوق الحرة، التي أسست لها على مدى العقود الثلاثة المنصرمة. فإنقاذ القطاع المصرفي لم يكن ممكنا في ظل فشل الأسواق في توفير السيولة. وعادت بعد ذلك الحكومات تدريجيا إلى التوسع والمزيد من التضخم لتتمكن من ضبط الأسواق بشكل أفضل تفاديا لكوارث مالية جديدة.
ولكون العالم يتحول إلى قرية صغيرة بسبب انفتاح الأسواق والثورة المعلوماتية، فإن لكل تلك التحولات السياسية الاقتصادية تأثيرا كبيرا علينا في المنطقة العربية. فعندما كان التيار الصاعد هو تصغير الحكومة، حاولنا مجاراته قدر المستطاع. ونتج عن ذلك موجة عارمة من التخصيص للعديد من الخدمات الحكومية. ونجحت بعض التجارب مثلما حصل مع قطاع الاتصالات، فيما ظل البعض الآخر رهن المساعدات الحكومية على الرغم من ارتدائها عباءة القطاع الخاص كما هو حاصل مع شركة الكهرباء. وما إن بدأ التحول نحو المزيد من التدخل حتى تنفسنا الصعداء. وأعطانا التوجه الجديد التبرير اللازم لإبقاء الوضع الحالي كما هو عليه، فقد أثبت عدم جدوى نظريات السوق الحرة وتخفيض التشريعات.
أعتقد أن المشكلة لا تكمن في حجم الحكومة ومدى تغلغلها في الأسواق، وإنما في نوعيتها. فمن الضروري أن تتراجع الحكومة عن توفير الخدمات والسلع بشكل مباشر في كافة الميادين لصالح القطاع الخاص. فقد أثبت القطاع الخاص أنه الأقدر والأكثر كفاءة في توزيع الموارد. ولكن في الوقت نفسه، تبقى مهمة الحكومة متركزة في ضبط العمل التجاري والاقتصادي، فالقطاع الخاص غير قادر على تنظيم السوق بشكل يضمن العدالة لكافة المواطنين. وبذلك تتحول الحكومة إلى حكومة رقابة، تفرض على الجميع توزيع الثروة بشكل عادل، وتدرس تبعات الخطوات الجديدة التي يقدم عليها القطاع الخاص وتقننها. وستكون حكومة الرقابة قادرة على الارتقاء بكفاءة العمل الذي تقدمه كونها متخصصة في المجال، فيسهل بذلك اكتساب الخبرات ونقلها بين المجالات المختلفة.