الاعتذار سلوك حضاري، وثقافة تسمو بصاحبها، لما فيها من رجوعٍ إلى الحق، وإقرار بالخطأ، وإحساس بالندم، وفضيلة تدل على الثقة العالية بالنفس.. فلماذا هي غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟
صدور الخطأ من الإنسان أمر طبيعي ومتوقع، فهو سمة من سمات البشر، فما دام أنه ليس معصوماً عن الانفعال والزلل؛ فليس في ذلك من عيب أن يخطئ. ولكن العيب أن يسترسل في أخطائه، مبرئاً بذلك ساحته، ومحملاً الآخرين مسؤولية الخلل، وحتى إذا اكتشف بأنه مخطئ؛ فهل يمتلك هذا الإنسان شجاعة التراجع والاعتذار عن الخطأ؟ أم أنه يصر عليه؟
في الأمم المتحضرة يسود هذا الخلق الحضاري على أعلى المستويات، لأن الثقافة العامة والأجواء الاجتماعية تدفع بهذا الاتجاه. ففي كوريا الجنوبية أعلن وزير المواصلات اعتذاره عن حادث تصادم قطار مع حافلة، أدى إلى وفاة عدد من الركاب. وفي اليابان قدم رئيس مجلس إدارة شركة تويوتا اكيو تويودا اعتذاراً رسمياً خلال جلسات الاستماع في الكونجرس عن العيوب التي ظهرت في سيارات الشركة، والتي تسببت في حوادث أدت إلى الوفاة. وفي الكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسها البابا بولس الثاني أعلن اعتذاره عن الكنيسة والتجاوزات التي ارتكبها المسيحيون تجاه الأمم الأخرى. إنني أتساءل: إذا كانت قصة الاعتذار قصة سلوك حضاري، وثقافة تسمو بصاحبها، لما فيها من رجوع إلى الحق، وإقرار بالخطأ، وإحساس بالندم، وفضيلة تدل على الثقة العالية بالنفس، وينبوع يتدفق بالحب والإنسانية، وقبوله دليل وعي ونضج فكري يزيد من أواصر الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع؛ فلماذا هي غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟
ما الذي يمنع الرجل الشرقي المخطئ بحق زوجته أن يعتذر؟ هل أصبحت قصة الاعتذار حكراً على المرأة العربية تجاه زوجها؟ ما الذي يمنع الأب الشرقي في الاعتراف بأخطائه أمام أبنائه في حال صدر زلل منه تجاههم؟ ما الذي يمنع المسؤول العربي في مؤسسته تحمله المسؤولية تجاه أخطائه واعتذاره عنها؟ ما الذي يمنع الرؤساء العرب الذين أخطؤوا بحق شعوبهم أن يعترفوا بفعلتهم وأن يعتذروا عنها؟ لماذا هذه الشخصية الفرعونية؟ لماذا غابت بعض المفردات عن عالمنا مثل: آسف، معذرة، أرجو أن تسامحني؟ لماذا افتقدناها، وأصبحت كلمات غريبة على مسامعنا؟ لا نكاد نسمعها كعبارة من المخطئ؟ هذا إن اعترف من الأصل بخطئه، ولا أنسى ذلك الموقف عندما كنت أتسوق في أحد المراكز التجارية وإذا بالعربة الخاصة التي أقلها لحمل البضائع ارتطمت بالخطأ بعربة شخص آخر وإذا به يخز عينه نحوي بحدة عالية، ويلفظ عبارة: أقول سلامات ما تشوف! هذا السلوك مع - الأسف الشديد - انعكس حتى على المستوى الرسمي، فقلما سمعنا عن اعتذار جهة رسمية للناس عن تقصيرها في أداء واجباتها.
إنه أمر يدعو للغرابة! لماذا نشعر بأننا دائماً على حق بينما الآخرون على خطأ؟ هل وصل أحدنا لحد الكمال؟! لماذا التردد والامتناع عن هذا السلوك الحضاري؟
إن ثقافتنا المعاصرة تعتبر أنَّ من القوة أن تثبت على مواقفك وأقوالك، ولا تعترف بأنك أخطأت! ثقافة الاعتذار لا وجود لها في عقليتنا المعاصرة، فالاعتذار - كما يظن البعض - دليل على الضعف، ويقلل من هيبة ومكانة الفرد الاجتماعية، وينقص احترام الناس له، وخاصة من هو أقل منه شأناً ومكانة، فإنه يأنف ويستثقل طلب المعذرة منهم، بينما تقول التجربة: إن الذي يملك الشجاعة لأن يقول نعم أنا أعتذر هو في حقيقة الأمر لا يُعبر عن شجاعته الأدبية وثقته في نفسه فحسب؛ وإنما يثبت أنه أهلٌ لتحمل المسؤولية، فاعتذاره يعني أنه على استعداد أن يتعلم من أخطائه، وألا يعود إليها ثانية، بينما المكابر والعنيد هو أخطر من يجلس على كرسي المسؤولية، لأنه سيخطئ، ثم يكابر، ويتمادى في خطئه؛ نتيجة امتلاكه لعقلية التبرير، ولبراعته في التمويه والتزييف. نعم.. إن مثل هؤلاء هم الذين جعلوا من العقل مهزلة، ليتباهوا ويتفاخروا بما امتلكوه من رصانة التبرير، لتكون النتيجة أن ينتهي بنفسه وبالآخرين إلى ما لا يحمد عقباه.
وهذا ما نقرؤه في تاريخ العرب قبل الإسلام، وكيف كانت تحكمهم العصبيات، ومبالغات الشعراء في الثناء والمدح، والتي تزين لهم موقف التعالي والغطرسة، والتي لا تزال رواسبها عالقة إلى يومنا هذا، وإلا فكيف تفسر خطابات الطغاة المستبدين أمثال القائد العربي الذي لقب نفسه ملك ملوك أفريقيا وخطابه زنقة ... زنقة ... إلى الإمام والذي يتحدث فيه عن أعظم الانتصارات التاريخية، مع كل المآسي التي أوقعها بشعبه.
الطاغية والمستبد لا يعتذر لشعبه ولو بلغت جرائمه عنان السماء، ولو ولغ في الدم الحرام، وإذا اعتذر! فإنه من المؤكد أن حبل المشنقة ملتف على عنقه، وفي ذلك الحال لا ينفعه الندم ولا الاعتذار. نعم إنه الاعتذار الفرعوني فعندما أدرك فرعونَ الغرقُ قال آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.
إن فرعون تاب ثلاث مرات في هذا الموقف: إحداها قولُه آمنتُ، وثانيها قول لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وثالثها قوله وأنا من المسلمين، فما السبب في عدم قبول التوبة؟ الجواب: سبق السيف العذل! فقد جاء إيمانُه وهو يُغَرغِر حين صار في حكم الميت، فهذه توبة اليائس، وهذا إيمان المضطر المكره على الإيمان، وفي هذه الحال لا تكون التوبة صادقة، ولا الإيمان مقبولاً، لأنه إيمان المُكره اليائس من الحياة الذي عاين عذاب الله. فلم يك ينفعهم إيمانُهم لما رأوا بأسنا، وهذا بالضبط ما حصل للرئيس المصري المخلوع عندما قدم اعتذاره للشعب المصري تحت ضغط المحاكمة، لتتوالى بعدها المظاهرات المسماة جمعة الاعتذار التي استنكر من خلالها المصريون هذا النوع من الاعتذار.
إنني أقول: أن يقدم المخطئ اعتذاره؛ فتلك خطوة حضارية لتجاوز الخصام، ولكن يجب أن تُقابل بخطوة أخرى، وهي قبول الاعتذار والصفح، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار الحذر والحيطة من الاعتذار الفرعوني.