أسلحة الدمار الشامل مثل راجمات 'غراد' لم تعد الأداة المثلى للتفوق والتميز بين شعوب العالم، بل أصبح العلم والفكر والمعرفة أساساً للتقدم والرفاهية واعتلاء المناصب القيادية الدولية
لا توجد امرأة واحدة في قريتنا الكونية اليوم أكثر سعادة من كريستين لاغارد، فهي أول امرأة في العالم تفوز برئاسة صندوق النقد الدولي بعد انتخابها الأسبوع الماضي بالتراضي بين الدول الأعضاء، لتتربع عرش الصندوق لمدة 5 سنوات.
الصندوق الذي أسسته قبل أكثر من 65 عاما 27 دولة بما فيها دولة العراق؛ كان يعرف باسم بنك الأغنياء، هو أحد أضلاع مثلث العولمة الاقتصادية المشهورة باسم مؤسسات بريتون وودز، التي تضم أيضاً البنك الدولي المعروف باسم بنك الفقراء، ومنظمة التجارة العالمية.
منذ ولادتها في الريف الفرنسي عام 1956 من أبٍ يُدّرس الإنجليزية وأم تُدّرس الفرنسية كان طموح لاغارد يناطح السحاب، حيث كانت تفتخر بأنها لا تتعاطى الخمور، وتمارس الرياضة، وتحافظ على لياقتها البدنية، لتصبح نجمة فريق السباحة الأولمبي الفرنسي خلال الثمانينات.
بعد حصولها على البكالوريوس في القانون من أميركا والماجستير في العلوم السياسية من فرنسا التحقت لاغارد في عام 1991 بمكتب الاستشارات القانوني الأميركي بيكر ماكنزي، حيث تم انتخابها في 1999 كأول امرأة لرئاسة مجلس إدارة هذا المكتب الشهير. وفي عام 2005 صدر قرار الحكومة الفرنسية بتعيينها وزيرةً للتجارة، ثم وزيرةً للاقتصاد في 2007 لتصبح لاغارد بذلك أول امرأة تتسلم مهام السياسة الاقتصادية في تاريخ فرنسا.
وفي قريتنا الكونية اليوم أيضاً لا توجد دولة واحدة فاقدة للسيادة على مقدرات شعوبها مثل بعض دولنا العربية، التي أصبحت أكثر دول العالم فوضى وتشتتاً وابتعاداً عن المجتمع الدولي، وتحولت أهدافها نحو امتلاك راجمات غراد واستخدامها ضد شعوبها لفض نزاعاتها المحلية.
ولدت أول راجمة لصواريخ غراد في عام 1963 وجرى توزيعها على دول أعضاء حلف وارسو وعلى 50 دولة أخرى معظمها من الدول العربية، التي حصلت بعضها مثل ليبيا ومصر وسورية والعراق على امتياز تصنيعها، وذلك نظراً لمداها القصير وفعاليتها التدميرية وسعرها المنخفض مقارنة بالأسلحة الأخرى الفتاكة.
تعتبر راجمات غراد نسخة متطورة عن صاروخ كاتيوشا، المصنف في دائرة صواريخ أرض-أرض، التي أطلقتها ألمانيا على المدن البريطانية في الحرب العالمية الثانية. في 1998 أجرت بعض الدول العربية تحسينات على قدرات راجمات غراد التدميرية ليصل مداها إلى 20 كيلومترا. في ليبيا استطاعت قوات العقيد تطوير أسطوانة الانطلاق وتصنيعها بشكل حلزوني لتزيد من سرعتها ودقة إصابتها للهدف، وفي العراق قام الزعيم السابق بتطوير مزيج راجماتها ليحتوي على متفجرات كيميائية وجرثومية.
لفقدانها السيادة على مقدراتها وإخلالها بمستقبل شعوبها؛ أصيبت بعض دولنا العربية بذاكرة ضعيفة، وعزيمة محبطة، وحجة واهية أدت جميعها إلى قناعتها المتناهية بنظرية المؤامرة المحاكة ضدها. أصبح هدفها المعلن وأملها الطموح اكتشاف صاحب المؤامرة، والتنازع على تصفيته بترويع الأبرياء، وإطلاق الإشاعات، وقتل فلول الدخلاء، وكأن العقل العربي خُلِقَ لتنمية وإضرام فتيل النزاعات وتطوير أساليب القمع بالراجمات.
تزامن تاريخ انتخاب كريستين لاغارد مع احتفال علماء الفيزياء في مختلف أرجاء المعمورة بالعيد المئوي لاكتشاف النظرية النسبية على يد النابغة ألبرت أينشتاين، الذي أثبت أن الكتلة تتحول إلى طاقة مفيدة إذا تحركت بسرعة فائقة تعادل مربع سرعة الضوء، وأن للوقت موقعا ثمينا في معادلة الحركة.
شعوبنا العربية تخلّفت عن ركب العالم الأول، لأنها ما زالت تعتقد بأن عقارب الساعة لن تسبق حركتها البطيئة، وأن الوقت لا ثمن له. أصبح (الخبراء) يحكمون مع سابق الإصرار على أن قواعد وأحكام النظام العالمي الجديد شرٌّ لا بد منه، ويتوجب علينا معاداته ومحاربة تياراته. وأصبح (العلماء) يشبعون النظرية النسبية بحثاً وتمحيصاً ليثبتوا أن الكتلة لا يمكن أن تتحول إلى طاقة وأن التفوق العلمي ليس مرهوناً بالفكر والمعرفة.
في العام الماضي، كعادتهم السنوية منذ نصف قرن؛ عقد وزراء التجارة والمال والاقتصاد في دول الاتحاد الأوروبي 76 اجتماعاً لتنسيق شؤون تجارتهم العالمية، وتوحيد صفوف اقتصاداتهم الداخلية، والتخطيط لفتح الأسواق العالمية أمام صادراتهم الأوروبية، علماً بأنهم يتحدثون 21 لغة مختلفة، وعلى الرغم من اختلاف وجهات نظرهم وتباعد عقائدهم؛ تلاقت مصالحهم في بوتقة العولمة، فأصدروا عشرات القرارات ومئات التوصيات التي أهابت نظراءهم وحذرت غرماءهم.
الدول العربية التي تتحدث بلغة الضاد الواحدة ما زالت تتمادى بهضم حقوق شعوبها، وتسعى بكل قواها إلى التخلي عن مبادىء السيادة على أوطانها. بعض الدول العربية فقدت سيادتها، لأنها تعتمد على راجماتها من طراز غراد في قتل أبنائها، وبعضها تخلى عن السيادة لإفراط وجهائها في وعودهم الرامية لإصلاح اقتصادهم، والاهتمام برعاية شعوبهم ومواجهة تحدياتهم.
الدول العربية التي فشلت في تجميع طوائفها تحت سقف التسامح والتفاهم على ثقافة الحوار، وفوائد العلوم والتقنية، وضربت بعرض الحائط مبادىء العولمة الاقتصادية، خالفت بذلك سُنةَ الكون وتربعت عرش الانكفاء والانعزالية. والدول الأوروبية التي عقدت العزم على مواجهة مشاكلها ووحدت أهدافها؛ نجحت في تحقيق المراتب الأولى في العلوم والتقنية، والتجارة الدولية، وقيمة الناتج الإجمالي العالمي. أسلحة الدمار الشامل مثل راجمات غراد لم تعد الأداة المثلى للتفوق والتميز بين شعوب العالم، بل أصبح العلم والفكر والمعرفة أساساً للتقدم والرفاهية واعتلاء المناصب القيادية الدولية، لذا فازت كريستين لاغارد بالمركز الأول في رئاسة صندوق النقد الدولي، وفازت صواريخ غراد بالمركز الأول في تخلف الشعوب العربية.