لأن ما يحكم العلاقات الدولية هو التنافس والصراع، وليس التعايش السلمي، فإنه لا بد من صياغة استراتيجيات عسكرية جديدة، تؤمن من جهة استمرار التنافس والصراع، ومن جهة أخرى، تمنع التشابك بين القوى التي تحتفظ بالسلاح النووي
في سلسلة الأحاديث التي بدأنا بها الأسبوع الماضي، حول أسباب عودة الاستعمار التقليدي مؤخرا إلى مناطق النفوذ، أشرنا إلى بعض الملامح التي طبعت السياسة الدولية في منطقتنا العربية. ووعدنا بمناقشة إسقاطات هذه الملامح على النظام الدولي فيما بعد الحرب الكونية الثانية، وعلاقة ذلك بما يجري في المنطقة العربية الآن، في ما يعرف مجازا بربيع الثورات العربية.
انتهت الحرب الكونية الثانية، بهزيمة المحور وانتصار الحلفاء. وكانت الخسائر البشرية في صفوف المنتصرين والمهزومين قد بلغت ما يقرب من السبعين مليونا، وأكثر من ضعف ذلك من الجرحى والمعوقين. عدا الخراب والدمار الهائل الذي شمل القارة الأوروبية بشكل خاص، كما طال اليابان، وطال بألسنته بقية القارات.
وخلال الحقبة التي أعقبت الحرب مباشرة، برزت حقائق جديدة على المسرح الدولي، لن يكون ممكنا فهم ما يجري الآن بدقة، ما لم تجر قراءتها، ووضعها في سياق تاريخي وموضوعي. بعض هذه الحقائق ذات علاقة مباشرة بالتحولات السياسية الجذرية في القارة الأوروبية، التي عبر عنها بوضوح انشطار القارة إلى معسكرين مختلفين في توجهاتهما السياسية والعقائدية والاقتصادية. وبعضها الآخر، مرتبط بالتطورات التي أخذت مكانها في العالم الثالث، بعد الحرب وبضمن هذا العالم منطقتنا العربية.
كان أهم تحول على الصعيد الاستراتيجي العسكري بعد الحرب، هو إنتاج القنبلة النووية، وقدراتها التدميرية الهائلة التي اتضحت بعد إسقاط قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، لم يكن لهذا التطور في إنتاج السلاح ما يماثله. وانعكاساته ليست في قوته التدميرية فقط، ولكن في صياغته لاستراتيجيات ما بعد الحرب. لقد عنى هذا الكشف، استحالة نشوب أي حرب مباشرة بعد الآن بين القوى الكبرى، لأن معنى ذلك لو حدث فناء محتم للبشرية بأسرها. كما يعني أيضا استحالة نشوب حرب كونية ثالثة، بالطريقة التي نشبت فيها الحربان الكونيتان.
ولأن ما يحكم العلاقات الدولية هو التنافس والصراع، وليس التعايش السلمي، كما يبشر به المثاليون والحالمون، فإنه لا بد من صياغة استراتيجيات عسكرية جديدة، تؤمن من جهة استمرار التنافس والصراع، ومن جهة أخرى، تمنع التشابك بين القوى التي تحتفظ بالسلاح النووي في ترسانتها العسكرية. ومن هنا سادت في الحقبة الباردة ما أصبح يطلق عليها بـالحروب بالوكالة. وقد استمر هذا النمط من الحروب طيلة الحرب الباردة التي تواصلت لخمسة وأربعين عاما، وانتهت بسقوط حائط برلين.
كان هذا أول ملمح من ملامح النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب الكونية الثانية. أما الملمح الثاني، فهو انقسام أوروبا إلى نظامين سياسيين: رأسمالي في الشطر الغربي، واشتراكي في الشطر الشرقي. وقد انكفأ الشطران، داخل حدود القارة. أحدهما تحت حماية الإمبراطورية الأمريكية، وقد انخرطت بلدانه في حلف الأطلسي، الناتو. والشطر الشرقي، بقي أسيرا تحت القبضة السوفييتية، وارتبط بحلف وارسو.
لقد أمست بلدان أوروبا بحاجة إلى إعادة إعمار وبناء، لمواجهة ما خلفته الحرب من خراب ودمار. ولم يكن بإمكانها منفردة، أن تواجه المصاعب الاقتصادية التي تحيق بها. وعى الأمريكيون مأزق حلفائهم، فطرحوا مشروع مارشال لإعمار أوروبا. وكان ثمن ذلك هو أن تترك القارة الأوروبية للقطبين العظيمين مسؤولية إدارة السياسة الدولية، وأن تركز على إعادة الإعمار. وضع الأمريكيون بمشروعي مارشال والناتو حجر الأساس للسوق الأوروبية المشتركة، ولوحدة أوروبا لاحقا بعد تحقيق الاندماج العسكري والاقتصادي للجزء الغربي من القارة.
وكان السوفييت من جهتهم، يحققون ذات الدور في الجزء الشرقي من أوروبا ولكن بإيقاع أقل، على الصعيد الاقتصادي، من ذلك الذي جرى في الشطر الغربي.
في العالم الثالث، تميز الإيقاع الذي تموج به معظم بلدانه، بالسعي للتحرر من ربقة الاستعمار التقليدي الذي جثم بصدره عقودا طويلة على تلك البلدان. وطغت شعارات الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، على ما عداها من الشعارات. وتعززت العلاقة بين هذه البلدان بتشكيل كتلة عدم الانحيار. ومن نافلة القول، التأكيد على أن ما حرض على بروز حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، هو وعي القيادات الجديدة لمشروع الإزاحة الذي تبنته إدارتا الرئيسين الأمريكيين، ترومان وأيزنهاور. وقد رأت فيه القيادات الوطنية في بلدان العالم الثالث، فرصة ذهبية، لطرد قوى الاحتلال وتحقيق الاستقلال.
والخلاصة: أن أمامنا ملامح جديدة طبعت السياسة الدولية، منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، حتى نهاية الحرب الباردة: هيمنة لقوتين عظميين: أمريكا والسوفييت، واتفاق على إزاحة الاستعمار التقليدي وانكفاء أوروبي نحو الداخل، وتصاعد للحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال، وحروب بالوكالة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، واندماج أوروبي عسكري واقتصادي.
هذه اللوحة البانورامية، لم تخل من نتوءات ومتعرجات. فعلى سبيل المثال، أصبح العالم عدة مرات على حافة اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، رغم إدراك القوتين أن اندلاع حرب كهذه يعني فناء للنوع الإنساني. حدث ذلك أثناء الحرب الكورية في عهد الرئيس دوابت أيزنهاور، وفي أزمة الصواريخ الكوبية أثناء تولي الرئيس جون كنيدي للحكم، وأيضا في معركة العبور عام 1973، في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. لكن الوعي والحكمة تغلبتا في النهاية، في جميع تلك الحوادث وانتصر العقل، وتراجعت احتمالات الحرب.
ومن جهة أخرى، لم تحل الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية على أوروبا الغربية، دون بروز بعض النزعات الاستقلالية في القارة، وبشكل خاص في فرنسا الديجولية. إلا أنها بقيت محدودة، ولم تؤد إلى خروج أي من دولها عن مشروع الهيمنة الأمريكي.
على أن ذلك لا يمنع من القول إن هذه النزعات الاستقلالية، بقيت كامنة منتظرة فرصتها التاريخية، لتطل برأسها بقوة بعد نهاية الحرب الباردة. ولتصيغ المقدمات لصورة أوروبا القديمة بسياساتها الجديدة، التي تتداعى بقوة في ربيع الثورات العربية. والتي ستكون محور حديثنا القادم بإذن الله.