وضع خطاب النائب الثاني في مكة أسساً لمعالجة القصور في الأداء الحكومي عن طريق المسؤولية التكاملية بين المواطن والمسؤول الحكومي، المواطن يبدي شكاواه، والمسؤول يستمع ويعالج
نتحدث كثيراً عن الفساد وضرورة مكافحته، وهو حديث مهم وضروري، وقد أنشأت المملكة منذ أشهر قليلة هيئة حكومية خصصتها لمكافحة الفساد، تُضاف إلى الهيئات الرقابية الأخرى، مثل هيئة الرقابة والتحقيق، وديوان المراقبة العامة، وديوان المظالم، وغيرها.
ولكن ثمة أمر آخر لا يقل ضرراً عن الفساد وهو سوء الإدارة والروتين، بل قد يزيد عليها. فلا أشك في أن سوء إدارة الاقتصاد، وتأخير تنفيذ المشاريع، والروتين الحكومي القاتل، وتعطيل مصالح المواطنين، تكلف الدولة والمواطن أضعاف ما يكلفه الفساد.
ولكن المشكلة أن هذه الظواهر السلبية تستعصي على المعالجة القضائية، لأنها في الغالب لا تستوفي أركان المسؤولية الجنائية أو حتى التأديبية، بل تقع نتيجة عدم الوعي، أو التهاون الذي لا تطاله المساءلة، وتكون في الغالب دون تعمد أو سوء نية. فكيف نستطيع أن نتعامل معها؟
لقد وجدت في خطاب صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، الذي ارتجله خلال ترؤسه الجلسة الثانية للدورة الثالثة لمجلس منطقة مكة المكرمة في 19 يونيو 2011، عدة توجيهات يمكن أن تعالج هذه الظواهر. فلم يكن سموه يتحدث عن الفساد الذي يُعاقب عليه القانون، بل عن هذا النوع من القصور والتقصير الذي هو أكثر شيوعاً وربما أكثر ضرراً منه. فمن جهةٍ دعا سموه المسؤولين إلى أن نجنب المواطن الروتين، والعمل على إنجاز أعماله، وأن نمكنه من لقاء كل المسؤولين من الوزير إلى أصغر مسؤول، وطالبهم بسرعة الإنجاز، وفتح أبوابهم على مصراعيها لاستلام ملاحظات المواطنين، وإطلاعهم على خطط الدولة التنموية في مناطقهم، وعلى سير العمل في المشاريع الحكومية. ومن جهة أخرى، قال سموه: على المواطنين أن يتابعوا ويوصلوا أمورهم وملاحظاتهم وشكاواهم للمسؤولين. أي أن من واجب المواطن وليس حقه فقط؛ أن يبدي ملاحظاته، بل شكاواه للمسؤولين.
والحقيقة أن هذه المسؤولية التكاملية بين المواطن والمسؤول، هي الطريقة المثلى للمتابعة والإنجاز في معظم الحالات التي أشرتُ إليها. وقد وضعت الدول الإسكندنافية آلية لمثل هذه المتابعة ومعالجة الأخطاء التي لا تتعلق بالفساد بمعناه المعتاد، ولا تضع مرتكبيها تحت طائلة المساءلة القانونية.
ويمكن أن تكون تجربة الدول الإسكندنافية مفيدة في إرساء قواعد لتنفيذ ما وجه به النائب الثاني، لتحسين أداء الدوائر الحكومية لدينا، لتمنع الفساد قبل وقوعه. وفي تلك الدول تقليد قديم ما زال العمل به مستمراً، هو ما يُسمّى Ombudsman ويُمكن ترجمته بمكتب الشكاوى، أو مكتب يمثل المواطن في الدائرة الحكومية. ويُقصد به جهاز يتلقى ويتابع شكاوى المواطنين وملاحظاتهم. ويعود هذا التقليد إلى القرن الثالث عشر الميلادي على الأقل.
وفي العصر الحديث أنشأت السويد أول مكتب يقوم على تلك التقاليد في عام 1809م، ويقوم هذا المكتب بتلقي شكاوى المواطنين والتحقق منها، وإذا ظهر أن للشكوى ما يبررها فإن تقريراً بذلك يُرسل إلى الجهة المختصة لاستكمال الإجراءات، ويقوم المكتب بمتابعة الأمر إلى نهايته نيابة عن المواطن. وفي الحالات الملائمة، ينشر المكتب تقريراً بتوصيات محددة، خاصة حين يكتشف قصوراً في الأنظمة والقوانين والتعليمات التي تحكم الموضوع. وهناك منظومة متكاملة من المكاتب المتخصصة بتلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها.
وفي الأغلب الأعم، فإن هذه المكاتب تسعى للحصول على حلول عملية وودية، تحل مشكلة المواطن دون الدخول في المساءلة الجنائية أو التأديبية للموظف المسؤول. وهذا الأسلوب يختلف عن الأساليب المعتادة لمكافحة الفساد، والتي تقوم ـ بشكل تصادمي عادة ـ على التحقيق والمحاكمة والتأديب، كوسائل للقضاء على الفساد.
ولا أريد أن أقلل من أهمية القضاء والإجراءات التأديبية في مكافحة الفساد، ولكن تلك الإجراءات القضائية وشبه القضائية بحكم طبيعتها تأخذ وقتاً للتوصل إلى حلول، وتأخذ في الاعتبار حقوق المتهم وإحقاق العدل للشاكي والمشتكى عليه، وهي اعتبارات مهمة ورئيسية، ولكن المواطن في كثير من الأحيان يهمه أن تُحل شكواه ويحصل على حقوقه، أما معاقبة المسيء فهي أمر يعود للدولة وليست الهدف الرئيسي لمعظم أصحاب الشكاوى. وذلك فضلاً عن أن نسبة كبيرة من المشاكل التي يعاني منها المواطن – وربما أغلبيتها – لا تنبع بالضرورة عن جرم ارتكبه المسؤول، أو تقصير أو تفريط أو إهمال يُعاقب عليه القانون؛ بل إن كثيراً منها تكون ناشئة عن سوء الإدارة أو الاجتهاد الخاطئ أو الإهمال الذي لا يصل إلى مستوى المساءلة القانونية. ولهذا فإن معالجة الشكاوى بالطريقة الإسكندنافية مثالية من ناحية مرونتها، فهي تقوم بالتحقيق في الشكاوى، ومساعدة المواطن على الحصول على حقوقه دون اللجوء إلى القضاء إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك.
ولذلك فإنني أتمنى أن يتم تفعيل ما وجه به النائب الثاني حول المسؤولية المشتركة للمواطن والمسؤول، فالهدف الأول يجب أن يكون تحقيق مصالح المواطنين. وتمتاز هذه الطريقة بأنها لا تقتصر على مساعدة المواطنين في الحصول على حقوقهم في وقت قصير، بل إنها فوق ذلك تزيد من قدرة الدولة على اتخاذ خطوات استباقية لتفادي الأخطاء والفساد قبل وقوعها، مع الإبقاء على الإجراءات القضائية كوسيلة لإحقاق العدل، وعلى العقاب كرادع لمن يثبت فسادهم.