كل فرد عاقل غير مشوش منا يعرف ما الذي يريده، كما يعرف تماماً أن الحل يأتي من الداخل أولاً، ولكن هنالك من يرفض أو يتجاهل اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.. يريدون الحلول ولا يريدون أن يشاركوا في التفكير فيها

أبناؤنا محاصرون بعالم أقوى مظاهره الأنانية والمادية، عالم لا يرحم الضعيف، يعمل على تركيع الغالبية من أجل مصالح الأقلية التي تتحكم بالأسواق العالمية، تحدث الكثير عن سماته وعن نوعياته وطرقه، ومقابل ذلك ماذا نفعل؟ هل نقف في صفوف المشاهدين ونكتفي بالشكوى والتذمر؟! هل نتركهم للحياة تعلمهم، ومن يضمن لنا أن كل ما سيتداخل مع مسار حياتهم سوف يكون إيجابي النتائج، كيف نتركهم دون أن نبني الأساس القوي، وكيف نجهزهم دون معرفة واستعداد وإرادة من قبلنا؟ لقد تناول العلماء الأفاضل والتربويون والأخصائيون عدة محاور، منها التوعية الدينية، وغرس الأخلاقيات، وبناء مهارات خاصة وعامة في مجال العلم والعمل والحياة، ولكن تظل هنالك شريحة لا يستهان بها ممن لا يبحثون عن الأجوبة ويكتفون بالتذمر والشكوى!
المشكلة أن أبناءنا لا يصغون لما نقول بقدر ما يراقبون ويتعلمون مما نقوم به، ونحن لا نقوم بأي حل، بل نلقي باللوم ونتذمر من كل شيء وكل شخص حولنا، ننسى أن كل شيء يحدث في حياتنا، ما عدا ما هو خارج نطاق إرادتنا كالموت والكوارث..إلخ، ننسى أننا سمحنا له بالأصل أن يحدث، كيف؟ بردود أفعالنا لكل ما نواجهه، قد يكون على المستوى المهني أو الاجتماعي أو على أي مستوى آخر. المفتاح هنا نحن وتعاملنا مع ما نعتبره عقبة أو مشكلة أو إزعاجا، فبدلاً من تفكيك المشكلة والرجوع بها إلى الأصل؛ ننحو إلى أسلوب الصراخ والشتائم والتحقير، والترهيب، مع استخدام بهارات من اللغة البذيئة، ثم نقاطع، ونستمر في اللوم، وقد يصل الأمر إلى التعدي الجسدي أو النفسي، والأخطر من هذا كله الاستسلام والتقوقع والاكتفاء بلعب دور الضحية، ولكن كل ذلك لا يحل أي مشكلة، بل على العكس يكون بمثابة صب الزيت على النار مما يؤدي إلى المزيد من التعقيد، وتتواتر المشاكل كلّ من رحم الأخرى!
إن كل شيء في العالم الخارجي الخاص بكل فرد منا ما هو إلا انعكاس لما يجري بداخلنا، وكل ما يواجهنا ما هو إلا انعكاس مباشر لردود أفعالنا، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وإن دققنا بشكاوى الناس فسنجد أن غالبيتها تتمحور حول ما يمكن تغييره، لا ما لا يمكن تغييره! وعليه فما اللوم وتوابعه سوى وسيلة لتجنب المسؤولية، وإلقاء اللوم والشكوى والتذمر ما هي إلا أدوات غير فاعلة عندما يتعلق الأمر ببناء بيئة إيجابية من حولنا.
إن النجاح أو الفشل في التعامل مع العقبات ليس عملية خارجية بقدر ما هي ردة الفعل القائم على المعنى الذي أعطيناه لتلك العقبات أو الأحداث، نرى الجزء الفارغ من كأس مؤهلاتنا وقدراتنا، ولا نرى الجزء الممتلئ من هبات الله سبحانه وتعالى علينا لكي نعمل على تفعيله وتسخيره للحل، ما المطلوب إذاً؟ التغيير، أنا لا أقول إن هذا التغيير أمر سهل، ولكنه تحرك في الاتجاه الصحيح، إنه إلقاء نظرة فاحصة على النفس، ما أعرفه هو أنه إذا كنا نشتكي من أمر ما؛ يمكننا اتخاذ الخطوات اللازمة لتغيير ذلك، ما علينا سوى القيام بتفكيك المشكلة ومراجعة ما نملكه من مهارات وقدرات وما وهبنا الخالق ونتحرك، عمليات عقلية وجسدية مجهِدة في غالب الأحيان، لكنها في نهاية المطاف إن لم تحل العقد فقد تخفف من تبعاتها.
إن كل فرد عاقل غير مشوش منا يعرف ما الذي يريده، كما يعرف تماماً أن الحل يأتي من الداخل أولاً، ولكن هنالك من يرفض أو يتجاهل اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك، فيعرض نفسه للفشل والاكتئاب النفسي، لأنه حتى وإن اعتقد أنه انتصر حين يلجأ للسلوكيات السلبية من المواجهة العنيفة أو الاحتيال إلى الانتقام؛ يكون هو الخاسر الأول سواء كان وحيداً أو فرداً من أسرة، لأن أقل الترددات الناتجة عن سلوكياته أنه يصبح إنسانا فاشلاً مكروهاً منبوذاً، وأخطرها تتبع أبنائه خطواته في السلوكيات، والآن ما عدد هذه النوعية من البشر من حولنا؟ بسيطة، لنرصد أعداد الشباب والمراهقين ممن لا يعرفون أين موقعهم من الحياة، لنرصد أعداد من يلجؤون إلى العنف في حل مشاكلهم، لنلقي نظرة سريعة على مستوى الردورد على النت لنرى التبعية في أبشع صورها.. اختفاء الحجة والدليل، عدم الاحترام، النقل الأعمى لأحداث دون التأكد من المصدر أو حتى تفعيل العقل والمنطق، أخبار سيئة، فضائح، استهزاء، تنشر في المواقع والمنتديات كانتشار النار في الهشيم! يبحثون عن الإجابات لمشكلاتهم عند كل من هب ودب إلا داخل أنفسهم، يسارعون إلى الانتقام وكيل الشتائم، وأحيانا إلى التهديد بدلاً من الحوار وتقبل الآخر، أنا هنا لا أنفي تواجد فئة منهم ممن رحم ربي مبدعين، يسارعون إلى المبادرات الإيجابية في تنمية أنفسهم ومجتمعاتهم، يحاورون بكل عقلانية ومنطق، ولكن حديثي هنا عن البقية ممن يهاجمون دون رحمة، يريدون الحلول ولا يريدون أن يشاركوا في التفكير في الحل ولا في التنفيذ! هؤلاء لم يهبطوا علينا من السماء، أتوا من بيننا وينفذون ما تعلموه، هل نريد المزيد منهم؟ هل نريد أن نتخلى عنهم؟ بسيطة لنستمر في الشكوى والتذمر ونعطل العقل والإرادة!