قضية التنصت على الهواتف هي قضية تحتاج إلى حلول فنية من المصنِّع والمستخدم، واستصدار نظام جديد لتجريم التنصت سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الموظفين في الشركات
من المؤكد أن فضيحة التنصت في الإعلام البريطاني هي الأقوى والأكثر تأثيراً على الأخبار العالمية في الدول الصناعية والمتقدمة، وهي الأهم والأكثر قراءة وتصفحاً في الإعلام العالمي حسب الإحصائيات، نظراَ لما يمثله التنصت من خطورة ليس على أمن هذه الدول، وإنما على خصوصية الحرية التي تدعي هذه الدول بأنها تحارب وتدافع وتحمي حقوق الإنسان والمحافظة على حريته. وتعتبر فضيحة التنصت على الاتصالات الهاتفية جريمة تتساوى مع جرائم الفساد التي يعاقب عليها القانون والنظام في تلك الدول. ولن ينسى التاريخ قضية الولايات المتحدة في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون في عام (1972م) الذي قدم استقالته فيما بعد نتيجة التحقيق معه في قضية تنصت حزبه على الحزب المنافس، وسميت قضيته بفضيحة ووترجيت (Watergate Scandal) أشهر قضية تنصت في القرن الماضي، وفي بداية هذا القرن تعتبر قضية التنصت الهاتفي (الجوال) على وجه الخصوص بما يسمى قضية (مردوخ) نسبة لروبرت مردوخ (Rupert Murdoch) رئيس نيوز كوربوريشن (NewsCorporation) إمبراطور الإعلام في العالم أشهر قضية تنصت في العالم، وهو من جذور أسترالية بريطاني الجنسية الذي نفى مسؤوليته عنها ووصف من قام بهذه المهمة من موظفيه بأنهم خانوا الأمانة الصحفية وأساءوا له وللمهنة الإعلامية وسيعاقبهم القانون.
ودون الدخول في تفاصيل هذه القضية التي وصلت إلى مساءلة رئيس الوزراء البريطاني كاميرون، نعود إلى قضية التنصت في العالم العربي وبعض الدول النامية والفقيرة التي تستباح فيها حقوق الإنسان ويقتحم البعض خصوصية وحرية الإنسان. ففي بعض الدول البوليسية يتكلم الناس همساً خوفاً من وسائل التنصت، ويتحدثون رمزاً بهواتفهم النقالة والثابتة سواء كانوا مسؤولين أو من عامة الناس، رجال أعمال أو إعلاميين أو رجال دين. والحقيقة أن قضية حماية حقوق الإنسان في حياته الخاصة هي مطلب جميع الشعوب. وقد أمرنا الله في محكم كتابه الكريم أمراً شرعياً في سورة الحجرات الآية (12) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً... وفي جميع أنحاء العالم وضعت القوانين واللوائح التي تحرم التنصت الإلكتروني. وفي المملكة العربية السعودية وضعت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات نظاماَ لمكافحة جرائم المعلومات مكونا من ست عشرة مادة، ووضعت عقوبات متعددة تبدأ من السجن لمدة عام وغرامة خمسمئة ألف ريال في المادة الثالثة لمن يرتكب جريمة التنصت على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي دون مسوغ نظامي صريح أو التقاطه أو اعتراضه. كما يحرم الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان القيام بهذا الفعل أو الامتناع عنه مشروعا. ويعتبر الدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني جريمة، وكذلك الدخول إلى موقع إلكتروني لتغيير تصاميم هذا الموقع أو إتلافه أو تعديله أو شغل عنوانه. كما يعتبر المساس بالحياة الخاصة عن طريق استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا أو ما في حكمها جريمة يعاقب عليها أصحابها بحكم المادة الثالثة في هذا النظام. وتنطبق هذه المادة على التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة. هذه بنود مادة واحدة وهي المادة الثالثة في نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية أما المادة السابعة في نفس النظام فتصل مدة عقوبة السجن فيها إلى عشر سنوات وغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال. وهو نظام منشور على موقع الهيئة، وأتمنى على كل مواطن قراءته والرجوع له.
لكن الأهم من هذا النظام وجميع النظم الأخرى هو التطبيق على أرض الواقع. وكم كنت أتمنى على الهيئة نشر الوقائع المخالفة للنظام والتي تم تطبيق النظام فيها حتى وإن كانت الهيئة ليست الجهة المنفذة للعقوبات. حيث أوكلت المادة الخامسة عشرة من النظام هيئة التحقيق والادعاء في الجرائم الواردة في هذا النظام. ويعتقد البعض بأنه بعد صدور هذا النظام أصبحنا نعيش في مجتمع آمن تحفظ فيه الحريات والخصوصيات الشخصية، والحقيقة على أرض الواقع أننا نعيش في عصر الفوضى وعصر التعدي الجريء على الحريات والخصوصيات العامة والخاصة، ولن أبالغ إذا قلت إن من أسوأ استخدامات الهواتف النقالة هو في بلادنا. ولقد وصلت الجرأة عند بعض خبراء التنصت على الهواتف بأن أصبحت مهنتهم المتاجرة بأجهزة التنصت التي تصنع في العديد من دول العالم الغربي والشرقي وتباع في الأسواق الحرة في المطارات الدولية في الغرب والشرق، وفي الأسواق الخليجية تباع بأسعار عالية جداً. وأكبر شريحة تستخدمها للدخول على خصوصيات النساء والشباب. ويستخدمها البعض للابتزاز أو كوسائل ضغط على خصومهم. أما عن القرصنة السلكية واللاسلكية وأقصد سرقة خطوط الهاتف الجوال أو الهاتف الثابت، فهي قضية أصبحت ظاهرة وذات تكاليف جداً عالية تصل إلى الملايين على الفاتورة شهرياً من قبل شركات الاتصالات العاملة في السوق السعودية. وللأسف الشديد أن معظم سارقي الخطوط الهاتفية من خارج الوطن بالتعاون مع عصابة متخصصة لسرقة الخطوط في شركات الاتصالات وبعض الشركات المتخصصة لتركيب شبكة السنترلات، وتستخدم هذه الخطوط لخدمة خطوط التواصل الدولية للعلاقات الجنسية، أو تباع الخدمة للعمالة الأجنبية في المملكة بقيم رمزية. وهي قضية مطروحة منذ سنوات ولم تجد من يعالجها أو يهتم بها في ظل إصرار شركات الاتصالات على إخلاء مسؤوليتها وعدم البحث عن حلول لوقفها. وإخلاء هيئة الاتصالات مسؤوليتها، ورفض الشركات الخاصة بتركيب السنترلات تحمل مسؤوليتها، وتحويل المسؤولية لشركات الاتصالات. أما قضية التنصت على الهواتف فهي قضية تحتاج إلى حلول فنية من المصنِّع والمستخدم، واستصدار نظام جديد لتجريم التنصت سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الموظفين في الشركات أو في غرف الفنادق أو في الجامعات أو حتى على مستوى الأجهزة الحكومية. لأن التنصت على المكالمات الخاصة هو إجرام في حق الحياة الشخصية. ولنا في قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما تسلق سور بيت ليرى ما يدور خلفه فرجع واستغفر.
فالحريات ينبغي أن تحترم، وعلى الدولة من خلال وزارة الاتصالات وهيئة الاتصالات والأجهزة المعنية بتطبيق الجزاءات التي تحمي السكان من لصوص التنصت، محاربة تجار أجهزة التنصت وتكثيف جهود الجمارك السعودية لمنع دخول هذه الأجهزة. ويقال إن خبراء التنصت على قدرة لسماع أي حوار يدور حول أي جوال مقفل أو أي محادثة داخل السيارة أو داخل غرف النوم حتى لو كانت الهواتف مقفلة. وإذا كان ذلك صحيحاً فإن حرياتنا الخاصة قد أُنتهكت ولم يبق للإنسان إلا أن يحافظ على حريته ويدافع عن خصوصيته.