غيّر ماركس وجهة النظر العامة للمعرفة في عصره. فلم تعد المعرفة هي تلك الحقائق الموضوعية التي أنتجها البحث العلمي والتأملات الفلسفية الموضوعية التي تهدف فقط إلى البحث عن الحقيقة
كان القرن التاسع عشر في أوروبا، قرنا ساخنا جدا على كافة المستويات وبرأيي أن هذا القرن هيأ أوروبا والعالم إلى نقلة كبيرة لا تزال مستمرة حتى الآن. سياسيا كان هذا القرن هو قرن الثورة الفرنسية (1789) التي بدأت تمتد إلى كل أوروبا محدثة تغييرات في الحكومات لصالح الديموقراطية والليبرالية. أبرز الأحداث السياسية كان مؤتمر فيينا 1814 الذي جاء لمقاومة المد الليبرالي ومبادئ الثورة الفرنسية ولكن الثورات كانت تندلع في أوروبا 1848 تزامنا مع البيان الشيوعي. كما انتهت الحرب الأهلية في أمريكا وإلغاء العبودية 1865 كما صدرت التشريعات بخصوص الضمان الاجتماعي سنة 1883.
على المستوى العلمي شهد القرن التاسع عشر عددا من القفزات الهائلة منها (نظرية الوراثة، مندل 1865 وتطور الأنواع، داروين 1859 والنظام الدوري، ماير مندكيو 1869 وأشعةx، رونتغن 1895 والتخدير بواسطة الأثير، مورتون، 1846 وتفسير الأحلام، فرويد) 1900. وفي التقنية تم اختراع (الطباعة السريعة، كوينغ / بوير 1812 والتلغراف، مورس1837 والدينامو، سيمانس1867 والسيارة، دايملر / بنز1885 والمحرك الكهربائي، جاكوبي 1834 والتصوير، داغير 1839 والتلفون، بيل/ غراي 1876) (راجع أطلس الفلسفة ص 158).
أما الإنتاج الفلسفي في القرن التاسع عشر فكان ثريا أيضا، يكفي هنا أن أعدد أسماء مجموعة من كبار الفلاسفة في التاريخ، كلهم تعاصروا في هذا القرن شوبنهاور (الإرادة لا العقل)، كونت (العلم هو المقياس)، فويرباخ (أنسنة الدين)، جون ستيوارت مل (المقياس الفردي لا المثالي)، كيركغارد (ضد الفراغ الوجودي للفكر المجرد)، كارل ماركس (الوعي الطبقي)، فردريك انجلز (المادية الجدلية واستحالة الثبات)، دلثاي (تاريخية كل المعارف)، شارل بيرس (المنفعة هي المقياس)، وليم جيمس (منفعة الذات هي المقياس)، نيتشه (كل شيء يحتاج إلى تغيير). وبرأيي أن التأثير الأكبر في النظام المعرفي وبداية تحول الشك من أن يكون منهجا للمعرفة إلى كونه سمة للمعرفة ذاتها. هذا التحول حدث مع فيلسوفين وعالمين. ماركس ونيتشه وداروين وفرويد. سنتحدث اليوم عن الفيلسوفين.
غيّر ماركس وجهة النظر العامة للمعرفة في عصره. فلم تعد المعرفة هي تلك الحقائق الموضوعية التي أنتجها البحث العلمي والتأملات الفلسفية الموضوعية التي تهدف فقط إلى البحث عن الحقيقة. مع ماركس أصبحت المعرفة السائدة هي تعبير عن مصالح الطبقة المسيطرة، فالطبقة الغالبة، الممسكة بزمام الأمور تنتج معرفة تحقق من خلالها الحفاظ على مصالحها وإبقاء الأمور كما هي عليه. هذه الوجهة من النظر فتحت بابا هائلا من النقد الحر للمعرفة الموجودة، وهو النقد المستمر مع المدارس الماركسية النقدية حتى اليوم، فلسفيا وسياسيا وعلميا وتربويا.
أصبحت لدى الإنسان مع ماركس عدّة نقدية جديدة تربط إنتاج المعرفة بالمصالح على أرض الواقع. هذه العدة اشتغلت على اختراق الوجه الظاهري الذي تقدم المعارف من خلاله باعتبارها موضوعية وحيادية ليكشف عن البعد الأيديولوجي داخلها. فكل معرفة مرتبطة بالضرورة بالظروف الواقعية في وقتها ولا بد أن تعبّر عنها بشكل أو بآخر. كل معرفة من المنظور الماركسي المتأخر تعتبر أيديولوجيا يقول لالاند في موسوعته الفلسفية عن هذا المفهوم الماركسي إن الأيديولوجيا فكر نظريّ يعتقد أنه يتطوّر تطورا تجريديا في غمار معطياته الخاصة، لكنه في الواقع تعبير عن وقائع اجتماعية، ولاسيما عن وقائع اقتصادية، فكر لا يعيه ذلك الذي يبنيه، أو على الأقل لا يأخذ في حسبانه أن الوقائع هي التي تحدد فكره.
رفع ماركس من القدرة الفردية على الشك وجعل لديه حسّا تشككيا تجاه المعرفة السائدة في عصره باعتبارها معرفة الطبقة المسيطرة. كان هذا الشك موجها للمعرفة التنوير، معرفة البرجوازيين. ولنا أن نتخيل هنا حجم هذا الشك. نعرف اليوم أن الشك الماركسي كان محدودا باعتبار أنه لا يتوجه لذات المعرفة ومنطقها الداخلي ولذا نجد أن هذا الشك سرعان ما يتلاشى أمام المعرفة التي تنتجها النخبة الماركسية التي تعبّر عن إرادة الشعوب والجماهير!! تلاشى الشك تماما لدى غالبية الماركسيين واستطاعت الأيديولوجيا الماركسية إعادة الكثير إلى التسليم انطلاقا من الشك. ليثبت التاريخ أن التسليم يترافق بالضرورة مع الاستبداد والحكم القسري وقمع الحريات.
مع نيتشه تحصل الشك على دفعة روحية هائلة جدا. فقد حقق نيتشه من خلال شخصيته الحادة ولغته الأخاذة وروحه التواقة إلى الاستمرار في التحرر. حقق نيتشه بهذا كله روحا جديدة في الثقافة الأوروبية. لم يستثن نيتشه شيئا بل مدّ شكّه إلى اللغة ذاتها فقد كشف عن دلالات اللغة باعتبارها قناعا. فمن خلال اللغة يخلق الإنسان عالما من وضعه ويبتعد عن الأشياء ذاتها. ولذا فالحقيقة عند نيتشه هي جيش متحرك من الاستعارات.. والتي تصبح بعد طول استخدامها ثابتة بالنسبة للشعب، قانونية وملزمة: إن الحقائق ليست إلا أوهاما نسينا أنها أوهام.
استمر شك نيتشه في جرف مكونات المعرفة في عصره، الأخلاق مثلا، أخلاق المسيحية وأخلاق التنوير يمكن إثبات تاريخيتها ونسبيتها من خلال منهج تاريخي. وبالتالي فدعاوى أنها مطلقة وأزلية دعوى يمكن دحضها. وباعتبار أن الثقة بالأحكام العقلانية هي ظاهرة أخلاقية فإن ما نعتقده في القرن التاسع عشر من الوثوق بالمعرفة العقلانية ما هو إلا بسبب مسيرتنا التاريخية وظروفنا التي نعيشها وحياتنا الحالية. لا بسبب آخر ونعلم اليوم أن هذا الحكم يحمل الكثير من الصحة.
العودة إلى الإنسان هي المهمة التي اضطلع بها نيتشه، الإنسان القوي الذي تخلص من إضعاف المسيحية له من خلال ربطه بالخطيئة وتمنيته الطفولية بمكافأة في الآخرة وتعويده على النفاق. أراد نيتشه خلع هذا العصر انطلاقا إلى عصر القوّة من خلال الحفاظ على الحيوية وربح القوّة. بهذه الروح جدد نيتشه حرية الفكر الأوروبي ليفتح صفحات جديدة تحاول البناء من جديد بعد أن تفرّغ هو لمهمة الهدم، المهمة التي حقق فيها نجاحا كبيرا. في الأسبوع القادم سنمرّ سريعا بعالمين أحدثا تحولا هائلا في المعرفة البشرية: داروين وفرويد.