أن يتحول الفن الكلامي إلى جسد عادي تُعمل فيه مشارط الأيديولوجيا، فنحن أمام ردة مفاهيمية، هي نفسها الردة التي تتبلور معالمها وملامحها في ذهن الرقيب.

أن يتحول الفن الكلامي إلى جسد عادي تُعمل فيه مشارط الأيديولوجيا، فنحن أمام ردة مفاهيمية، هي نفسها الردة التي تتبلور معالمها وملامحها في ذهن الرقيب، ذلك الذهن الذي أسهم إسهاماً فعالاً في هجرة الأديب بنتاجه الإبداعي ليشربه النور خلف حدود الوطن!.
أقول هذا الكلام على خلفية ما أصاب الرواية السعودية قبل أيام قلائل من سهام حاولت إخراجها من طور الفن إلى منابر الوعظ والإرشاد، وكأننا أمام خطبة يراد لها أن تلهب السمع وتوجه المتلقي إلى حيث يريد الخطيب!.
ولو حوكمت الرواية – سعودية كانت أو غير سعودية – بهذا المنطق الأعوج، لتحول هذا الفن إلى مجرد بوق مذهبي أو طائفي أو ديني أو قبلي بامتياز، وهذا ما لا يرضاه الفن الحقيقي ولا الأديب الحقيقي الذي إن أطر نفسه في أي من تلك الأطر كتب شهادة موته بنفسه!.
الرواية السعودية التي تألقت في السنوات القليلة الماضية، وحازت جائزة (بوكر) في نسختها العربية مرتين، إحداهما لعبده خال عن روايته ترمي بشرر والثانية لرجاء عالم (أول روائية عربية تفوز بهذه الجائزة) عن روايتها طوق الحمام، شهدت أيضاً موجة من التشكيك منذ فوز خال بالبوكر، وكأن هناك من لا يريد للرواية السعودية أن تتألق عربياً ودولياً!.
صحيح أن هناك من (الروايات) السعودية ما لا يمت للفن الروائي بصلة، وللأسف صنفت هذه الأعمال على أنها (روايات)، وطبع منها عدة طبعات، إلاّ أن تعميم تلك الحالة الشاذة على فن الرواية السعودي بشكل عام، يصبح غرضاً غير مقبول على الإطلاق، ومرضاً في نفس أولئك الذين يحاولون هدم هذا الفن غرضاً أو مرضاً أو جهلاً في أغلب الأحيان!.
ثم إن للرواية نقادها الذين يستطيعون أن يقرؤوها بعين فنية، ويشرّحوها بمشارط تأويلية بعيدة كل البعد عن مشارط الأيديولوجيا، فلماذا يقحم من لا يملك تلك الأدوات نفسه في تناول مثل هذا الفن، ويخضعه لمفاهيمه القاصرة؟!.
وإذا كان لكل علم رجاله، ولكل فن نقاده، ولكل دين فقهاؤه، فكيف يتحول عالم الفلك إلى فقيه في التاريخ، وعالم التاريخ إلى فقيه في الرياضيات، وعالم الرياضيات إلى فقيه في الدين، وعالم الدين إلى فقيه في فن الرواية؟!.
الجميل بعد كل هذا الحراك المضاد للرواية السعودية أن الروائيين لا يلتفتون لمثل هذا الهراء، وسيظل إنتاجهم الإبداعي محل فخر، حتى لو أصيب في مقبل الأيام بـ(فتوى) مضادة!.