بعضهم يظن أن القناة التي تعرض الخطيئة على شاشتها كمشكلة اجتماعية، تقوم بالترويج لتلك الخطيئة عامدة متعمدة بين أفراد المجتمع، وهو ظن غريب للغاية، لأنه لا يدرك حتى الآن أن الدراما هي الحياة

مثل منيو المطاعم الذي يحتوي على قائمة شهية من الطعام، هناك منيو مشاكل على مائدة المسؤول تسد نفسه ولكنها في نفس الوقت تفتح شهيته لـ حلها. في رمضان نجتهد لنقول للمسؤول نحن هنا ونراقب بحب ما يحدث. انتبه لنا، نحن نختصر ونلخص وهنا نتعرف معا على خمسة عناصر من هذه القائمة، نتمنى أن تكون شهية دائما.
(1)
قوقل لا يفكر بل يؤرشف عندما تذهب إليه باحثا وتسأله عن مشاكل المجتمع السعودي، فإنه سيعطيك من كل بحر قطرة، وهذا هو العم قوقل ما لم تتعامل معه بطريقته ولكن هناك حلا آخر، فما عليك إلا تقليب الريموت كونترول بحثا عن الكوميديا أو الدراما. هناك مهما كان العمل التلفزيوني خشنا أو مضحكا، سيكون ناعما قياسا بما يحدث حقيقة في مجتمعنا. فالواقع أشد قسوة من الخيال، وظهوره على الشاشة يكسبه توثيقا اجتماعيا ويساعد المشاهدين والمسؤولين على إدراك المشكلة ومن ثم وضع الحلول، أو أن تكون حملة وقائية يرى فيها المشاهد والمشاهدة كيف تكون مثلا نتائج غياب الأب عن المنزل وبعده عن عائلته مع زوجته المغربية الصغيرة في السن ، كما شاهدنا في مسلسل (أسوار). هناك أيضا وثيقة أخرى:الساكنات في قلوبنا.. وهي خمسة وأربعون فيلما سعوديا تلفزيونيا ناقشت ما تطرحه الصحافة السعودية رسميا وما تطرحه بيانات وزارة الداخلية والأمن العام عن نسب الجرائم وأسبابها ونوعياتها. لقد كانت وثيقة تلفزيونية بامتياز تحول الإحصائيات والبيانات والأخبار إلى خيال درامي يشاهده السعودي. الآن، مثل المطاعم وقائمة الـ منيو المليئة بأصناف الطعام، هناك منيو بالمشاكل التي تأتي إلى مائدة المسؤول بعد إفطاره مع عائلته في جو مسالم، بعيدا عن المراجعين، وضغوط العمل اليومية. المشاكل تأتيه في قالب كوميدي أو درامي، فيشاهدها، يضحك أو يبكي معها، ما عليه بعد ذلك سوى تقديم الحلول.
(2)
في هذه الأيام، على مائدة المسؤول، سيكون هناك بوفيه مفتوح من المشاكل، فـالرأسمال السعودي الذي يقوم بإنتاج الدراما أصبح أكثر ذكاء والتزاما تجاه القضايا التي يريدها المشاهد. فالمسلسل الذي يخلو من المبادئ سوف يكلف مليون ريال، والمسلسل الذي يحمل المبادئ سيكلف مليون ريال أيضا. نفس الكلفة، فلماذا لا يقوم رأس المال بحقن المسلسل بمشاهدات واقعية قد تكون قاسية على المشاهد، إلا أنه يدرك جيدا أنها جزء من حياته، يقرأ بعضها في مانشيتات الصحف كل يوم؟ قبل ذلك، وعلى مدار عشرين عاما كنا نقدم أعمالا سطحية وتافهة ولم يغضب أحد لأنها تافهة، إلا أن مرحلة ما بعد (أسوار)، أصبح هناك كاميرا حية تلتقط ما يحدث حقيقة في المجتمع، وعلى المسؤول أن ينظر إليها كفرصة اقتناص لما يدور بشكل حسي وحيوي، وعلى المشاهد أن يدرك أنه أمام خيارين: إما أن يكون نعامة فيدفن رأسه في الرمال، وإما أن يؤمن بأن هذه مشكلة حقيقية وعليه معالجتها ضمن دائرته الخاصة.
(3)
تبدو كل المواد الخام جاهزة لتحويل الدراما إلى غرفة عمليات تراقب المجتمع وتجس نبضاته. فالاستثمارات التلفزيونية جاهزة، والمُشاهد جاهز، والمشاكل جاهزة لتحويلها دراميا، ولكن هل المسؤول جاهز للنظر إليها كمادة جادة؟ بعضهم يظن أن القناة التي تعرض الخطيئة على شاشتها كمشكلة اجتماعية، تقوم بالترويج لتلك الخطيئة عامدة متعمدة بين أفراد المجتمع، وهو ظن غريب للغاية، لأنه لا يدرك حتى الآن أن الدراما هي الحياة حقيقة كما يعيشها، قد تكون إيمانية، وقد تكون شيطانية. السيارة مثلا، قد تتوجه بها من الرياض إلى مكة لأداء العمرة، وقد تذهب بها إلى مكان آخر تمارس فيه المعصية. ما يعنيني هنا، أن الوسيلة دائما شرعية ولكن غاية استخدامها هي التي تحدد ما إذا كانت الوسيلة إيمانية أم شيطانية.
(4)
أحيانا أشعر أن الفن يعاني من تركيبة كيميائية خاصة لدى المسؤولين في السعودية، تثير الحساسية و(الحكة) من فكرة تأسيس وشرعنة الفنون على كافة أشكالها. فنحن في جمعية المنتجين نحارب ليل نهار حتى يصبح للفنون أنظمتها الواضحة والمقننة ومثلما يكون هناك تفريغ للكأس من سوائلها، فإن الأنظمة المحلية تفرغ الفن من الفنانين، وتفرغ المجتمع من الذائقة الفنية، حتى أصبحنا من النادر أن نجد لوحة فنية في منازلنا، أو اهتماما شبابيا لحضور معرض للخط العربي، أو جاليري للصور الفوتوجرافية، أو حتى مسرحية، فكيف سيكون حال الدراما؟
(5)
التلفزيون بالنسبة إلى المسؤول ليس سوى نشرات أخبار، وما عدا ذلك محض ترفيه مطلق. ولكن هل يعلم أن السياسة الأميركية مثلا تعتمد على الدراما والسينما في تشكيل توجهات الرأي العام ؟ شرايين مترابطة فيما بينها، لا تنفصل إطلاقا، المحتوى التلفزيوني أو السينمائي يبدأ بتجهيز قضية ما، بعد ذلك تأتي السياسة لتمنح الضربة القاضية. مثلا، كيف هي شخصية المسلم أو العربي في المحتوى التلفزيوني أو السينمائي هناك؟ سوف تفهم كيف هي صورتنا من خلال السياسة الأميركية في المنطقة مدعومة بمحتوى تلفزيوني/سينمائي يساعد السياسة في إيصال الرأي العام إلى نفس النقطة التي يريدها البيت الأبيض. التجارب هنا وهناك تؤكد لنا جميعا أننا قادرون على استثمار الدراما في تجهيز الرأي العام محليا لمناطق إيجابية، فلماذا الاستمرار في الجدل حتى الآن حول مدى فائدة الدراما؟ الخبراء لا يبالغون عندما يؤكدون أن وزارة العمل قادرة على إقناع الشباب السعودي بالعمل في مهن يعتبرونها عيبا من خلال سلسلة من الإنتاج الدرامي التراكمي الذي يؤدي إلى إيجاد جيل متصالح مع كثير من المهن التي كانت قبل ذلك عيبا.