جدة: نجلاء الحربي، سامية العيسى

مطالبات بتفعيل دور الملحقيات الثقافية لتوعية الحجاج

ما زالت مقبرة جدة الشهيرة المعروفة منذ مئات السنين بـ (أمّنا حواء) تواجه تكرار ما يقع منذ مئات السنين، حيث الزيارات المكثفة من بعض الحجاج الآسيويين، تنظمها بعض المكاتب الخاصة بحملات الحج من خارج السعودية طبقا لما كشفه لـ الوطن المحكم القضائي بوزارة العدل عبد الكريم الشمري، الذي وصف تنظيم تلك الزيارات بأنه تضليل وخداع الحجاج بوعود زائفة ومخالفة للشرع لزيارة أماكن تاريخية ودينية ضمن رحلة الحج بهدف الكسب المادي، واستغلال اعتقاد الحجاج بالتبرك بهذه الآثار، ومنها المساجد التي يعتقد أنها للصحابة والتابعين، كمسجد الرحمة الذي يشهد وفودا من الحجيج الذين يحرصون على زيارته، ومسجد عثمان بن عفان الكائن في حارة المظلوم في زقاق متعرج شمال المعمار ويسمى مسجد الأبنوس .
وأبان الشمري أن هؤلاء الحجاج يعتقدون أن الموجودين في هذه البلاد أحفاد الصحابة، ولا شك أنهم أحفاد الصحابة، لكن من يخدع الأشخاص تحت مسمى الدين والشرع فلا شك أن عقوبته أعظم عند الله .
وطالب الشمري بتفعيل دور مكاتب الجاليات الإسلامية في سفارات خادم الحرمين الشريفين في الدول كافة لتوعية الراغبين في الحج وبث رسائل توعوية في الصحف في كافة البلاد الإسلامية الآسيوية والعربية لكشف خداع هذه المكاتب بعروضها الوهمية للحجاج.
وأضاف الشمري: هناك ملحق ثقافي تابع لوزارة الشؤون الإسلامية في جميع سفارات خادم الحرمين الشريفين في الدول العربية والإسلامية والأوروبية، لذلك لابد على العاملين توضيح للحجاج القادمين الدعايات الباطلة التي تزعم وجود معالم تاريخية ودينية لزيارتها لمجرد الكسب المادي، كذلك لا بد من وجود خط ساخن في جميع السفارات لخدمة الحجاج للتأكد من صحة هذه الادعاءات وتفعيل دور وسائل الإعلام في بث برامج للتثقيف وتوعية الحجاج.

شد الرحال لثلاثة مساجد
من جهته قال أستاذ الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدكتور حسن سفر إن المساجد شيدت في الأصل للعبادة والمساجد التي تشد لها الرحال ثلاثة كما ذكر في السنة المطهرة، وما يختص ببقية المساجد التي شيدها الصحابة فهي للعبادة. لافتا إلى أنه ليس هناك أصل من الشرع للتبرك بالمساجد، حيث لوحظ في الآونة الأخيرة استغلال فئة من ضعاف النفوس بإطلاق إشاعات عن بعض المساجد للتبرك بها.
وأوضح سفر أن هناك مساجد يتردد عليها بعض الحجاج، كمسجد الرحمة الذي عرف سابقا بـ مسجد فاطمة الزهراء ، وهو مسجد بناه عبد الله كامل وابنه صالح كامل وأشرف عليه الدكتور محمد عبده يماني، رحمه الله وغفر له. وسمي المسجد باسم فاطمة الزهراء تبركا باسم بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل بني باسم والدة عبد الله كامل، رحمه الله.
من جانب آخر قال الدكتور رشاد محمد حسين والدكتور شيخ صافي جمل الليل، من مؤسسة حجاج جنوب آسيا للطوافة إن عمل المطوف توعوي وإرشادي، ومن مهام بعثات الحج توضيح القيمة الحقيقية لركن الحج . وأضافا: نحاول غالبا تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تتوارثها أجيال في بعض الدول الآسيوية، فهناك ثقافات متوراثة عبر الأجيال، والقادمون للحج مثقلون بأفكار بعضها خاطئ كتقبيل الأحجار وحملها إلى بلدهم والتمسح بأبواب المساجد. دعيا إلى أن تقوم وزارة الشؤون الإسلامية بتلك الدول بتوضيح تلك المفاهيم.
ادعاءات كاذبة
يشار إلى أن هناك روايات قالت بهبوط أم البشر حواء في جدة وإن اختلفت في تحديد موقع قبرها، مع أن بعض أهالي جدة وبعض المسلمين يعتقدون أنها دفنت في الموضع المعروف في حي العمارية. ويقول الكاتب محمد يوسف طرابلسي الذي أصدر كتاب جدة حكاية مدنية : يعتقد الكثير من المؤرخين أن أم البشر حواء مدفونة في أرض جدة، وهذا ما زاد ووسع دائرة الاختلاف بين المراجع حول حقيقة اسمها، إذ يتفق المؤرخون على أن حواء هبطت في جدة، ولكنهم اختلفوا حول مكان دفنها.
وكان الأهالي والحجاج يرتادون الموقع للزيارة والتبرك حتى حوالي منتصف القرن 14 هـ حين أزيلت عام 1344هـ قبة القبر تمهيدا لتحرير العقول من البدع والأوهام التي كانت تسود المجتمع.
ويجسد هذا الوعي الآن استنكار العديد من السكان المجاورين لمقبرة حواء لمشاهد سيدات ورجال من الحجاج الإندونيسيين الذين يحرصون على زيارة المقبرة والتقاط صور تذكارية هناك.
يقول عاطف اليامي، من السكان المجاورين للمقبرة: كل عام تشهد الأسوار المقابلة لمقبرة أمناء حواء وجود وفود عديدة من النساء الإندونيسيات التابعات لحملات الحجاج اللائي يحرصن على زيارة المقبرة اعتقادا منهن بأن هذه الأساليب تجلب البركة لهن. ويضيف: من الغريب أن هؤلاء السيدات يقمن بكتابة أوراق ورميها من فوق الأسوار بدافع معتقدات غريبة.
وعلى كورنيش جدة لا تختلف آراء الزائرين لمنطقة الكورنيش وهي ترى هذه الأيام حشودا لحجاج يزورون مسجد الرحمة . ويعتقد أحمد الغامدي أن الادعاءات الكاذبة من لدن أصحاب حملات الحج تقف وراء تكدس هذه الوفود في مسجد الرحمة، مطالبا بتوعية الراغبين للحج قبل المجيء حتى لا ينقادوا وراء الادعاءات الزائفة.

فكر العوام يجذر الأسطورة
تاريخيا لم يتمكن أحد من نفي أو إثبات حقيقة وجود قبر أمنا حواء في جدة ، ويبدو الأمر حتى الآن أقرب إلى أن يبقى أسطورة.
• يعتقد الكاتب محمد صادق دياب أن الأمر لا يعدو كونه أسطورة شعبية تناقلها العامة من الناس، طبقا لما أورده في كتابه جدة/ التاريخ والحياة الاجتماعية.
• أقدم ذكر لهذه الأسطورة ما دونه الرحالة الشهير سعيد بن جبير الذي زار جدة في القرن السادس الهجري وأشار في كتابه عن الرحلة للحجاز إلى أنه رأى في جدة موضعاً فيه قبة مشيّدة قديمة يذكر أنه كان منزلاً لحواء أم البشر.
• وصف الرحالة التركي (أوليا جلبي) في رحلته الحجازية عام (1082) مقبرة أمنا حواء، بقبة صغيرة على المكان الذي ترقد فيه أمنا حواء، والقبر مغطى بالحرير الأخضر وحوله مغطى بالحصا ناحية رأسها وكذا ناحية قدميها.
•وصف الرحالة المصري محمد لبيب البتنوني القبر في كتابه الرحلة الحجازية الذي كتبه بعد رحلة الخديوي عباس حلمي لأداء فريضة الحج سنة 1327هـ/ 1909م: في مدافن المسلمين بجـدة قبر طويل يبلغ 150 مـتراً على ارتفاع متر وعرض ثلاثـة أمتار، وهو ما يسمونه قبر أمـنا حواء، وقد أقيمـت عليه مـعالم تبين مكان الرأس والقدمين .
•وفقا للمؤرخ المكي محمد طاهر الكردي يرجع تاريخ تضليل الحجاج والاحتيال عليهم لزمن سابق، إذ يذكر في كتابه التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، أن المقبرة كانت ذات سور عال، وكانت فترة الحج قديماً فترة خصبة لزيارتها من قبل الحجاج الذين يفدون إليها بعد مناسك الحج للتبرك بها، ظناً منهم أن أم البشر مدفونة بها، واستغل ذلك المحتالون ممن كانوا يبيعونهم بعضاً من تراب المقبرة، لأخذه معهم إلى بلادهم، فهو يحوي بركة حواء، أم البشر.