انعكست أزمة الديون السيادية في أميركا على أسواق المال العالمية والمحلية. ولكن الأزمة توفر أيضاً فرصة نادرة للدول حديثة النمو لممارسة دور قيادي للخروج من الأزمة على المدى الطويل
تفاقمت أزمة الديون السيادية في أميركا وأوروبا هذا الأسبوع، على الرغم من الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن لحل الخلاف حول رفع سقف الدين الحكومي، وكان الشغل الشاغل لقادة دول العالم هذا الأسبوع هو العمل على منع انهيار اقتصادي جديد، يقضي على فرص الانتعاش من الأزمة الاقتصادية العالمية التي خيمت على العالم منذ خريف 2008.
فقد استطاع الساسة الأميركيون في نهاية الأسبوع الماضي التوصل إلى وفر سيولة للحكومة مكنتها من سداد ديونها التي استحقت خلال الأسبوع الأول من أغسطس، ولكنه اتفاق يؤجل المشكلة ولا يحلها.
ولذلك، وعلى الرغم من ذلك الاتفاق، وربما بسببه، خفضت وكالة التصنيف الائتماني Standard and Poor (S&P) التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من AAA (وهو المستوى العالي السيادي الذي تمتعت به أميركا منذ بدء هذه التصنيفات) إلى AA+ وهو أول تخفيض للتصنيف الائتماني الأميركي.
وقد تداعى قادة العالم وعلماء الاقتصاد والمال ليحسبوا الآثار المتوقعة لهذا التخفيض غير المسبوق في تصنيف ائتمان الديون الأميركية، إذ من المؤكد أنه سيؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض، وإضعاف قدرات الاقتصادات الصناعية على الخروج من الكساد الاقتصادي.
وانعكس هذا القلق سلباً على أسواق الأسهم العالمية، التي فقدت نحو 2500 بليون دولار خلال الأسبوع المنصرم. حتى الأسواق البعيدة نسبياً عن بؤرة الخطر، مثل أسواق الخليج، لم تخف قلقها من تلك التطورات. فبعد أسبوع من التذبذب، هبط المؤشر السعودي 350 نقطة، أو نحو 5.5% من قيمته السوقية، يوم السبت 6 أغسطس، أول يوم تداول بعد عطلة نهاية الأسبوع.
وعلى الرغم من النواحي الإيجابية للاتفاق، إلا أنه يعني أيضاً أن الولايات المتحدة ستستمر في الاقتراض لتمويل ميزانية الحكومة، وإذا استمرت الزيادة على منوالها، فإن الدين الحكومي الأميركي قد يتجاوز 100% ممن الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد الحالي.
ومع أن تخفيض التصنيف الائتماني لأميركا لم يكن خارج نطاق الحسبان، كما أشرتُ في مقالة سابقة (ملابس الإمبراطور: هل يمكن أن تتوقف أميركا عن سداد ديونها؟، صحيفة الوطن، 15 يوليو 2011)، إلا أن صدوره فعلا هذا الأسبوع أضاف عاملاً آخر من الفوضى وعدم اليقين، إذ إنه لا يعني فقط فقدان السمعة لأدوات الدين الأولى في العالم، ديون الخزينة الأميركية، بل يعني كذلك التأثير على جميع أسعار الفائدة، من ديون الحكومة والشركات إلى الديون الشخصية وديون العقار في العالم أجمع.
وقد شككت وزارة الخزانة الأميركية في دقة حسابات وكالة التصنيف الائتماني، وقالت إن الوكالة أخطأت في حساب نحو تريليوني دولار، وستتضح صحة ذلك خلال الأيام القليلة القادمة، حينما تصدر وكالتا التصنيف الائتماني الأخريان تقييمهما للديون السيادية الأميركية. إلا أنه بصرف النظر عن مدى الدقة في حساباتها ومهما كانت الأسباب موضوعية ومتوقعة، فإن توقيت تخفيض التصنيف الائتماني السيادي لأميركا كان سيئاً جداً للإدارة الأميركية والاقتصاد العالمي معاً.
ولما كانت الولايات المتحدة هي المدين الأول في العالم، فإن صحتها تهم جميع دائنيها، بمن فيهم الصين ودول الخليج. وكان رأي الصين لاذعاً، خاصة وهي الدائن الأجنبي الأول للولايات المتحدة، فقد انتقدت الولايات المتحدة لسماحها بوصول الأمور إلى هذا المستوى من الفوضى. وجددت الصين الدعوة إلى عملة أكثر استقراراً لتحل محل الدولار الأميركي كعملة احتياط. وقالة وكالة الأنباء الصينية الرسمية (شينهوا): إن الحكومة الأميركية يجب أن تقبل الحقيقة المؤلمة بأن الأيام الجميلة الخوالي، حين كانت تستطيع أن تقترض بلا حساب لتخرج من كل أزمة تقع فيها قد ولت إلى غير رجعة. ووصفت بازدراء ما قالت إنه إدمان على الاقتراض وقصر نظر سياسي. ثم أضافت الوكالة، باستعلاء، إن للصين اليوم كل الحق بأن تطالب الولايات المتحدة بمعالجة مشاكلها الهيكلية المرتبطة بالدين الحكومي، وأن تضمن سلامة الأصول الأميركية المقيمة بالدولار التي تملكها الصين.
أما في واشنطن، فإن الجمهوريين والديموقراطيين تبادلا التهم حول من هو الملوم في تخفيض التصنيف الائتماني لأميركا. وطالب الجمهوريون بإقالة تيموثي جايثنر، وزير الخزانة الأميركي.
هناك حمى من الاتصالات والمشاورات بين المؤسسات المالية الدولية وأعضاء مجموعة العشرين (أكبر عشرين اقتصاداً في العالم) لاحتواء الأزمة مؤقتاً.
ولكن ما عسى العالم أن يصنع لتفادي تفاقم الأزمة الأميركية؟
وقد تنجح هذه الاتصالات في احتوائها مؤقتاً، ولكن على المدى المتوسط والبعيد فإن الأمل في الخروج من الأزمة يظل مرهوناً بنجاح السياسات الأميركية المتعلقة بالانتعاش الاقتصادي، ويشير المتفائلون إلى التحسن الطفيف في معدلات البطالة الأميركية التي أعلن عنها يوم الجمعة الماضي كمؤشر لما قد يتبعه من تحسن في أداء الاقتصاد، وبالتالي تحسن دخل الحكومة من الضرائب، مما قد يساعد في ترشيد اعتمادها على الاقتراض وتجنب أزمة جديدة خلال الأشهر القادمة.
وبالنسبة لأوروبا فإنها منشغلة باحتواء أزمة الديون السيادية لديها، وهو ما قد أعود إليه الأسبوع القادم، خاصة في البيانات الجديدة المتعلقة بإيطاليا وإسبانيا.
ولذلك، ولأن أميركا وأوروبا لا يبدوان قادرين على ممارسة دور القيادة للخروج من الأزمة الحالية وتفادي الدخول في أزمة جديدة، فإن القيادة قد تنتقل تلقائياً إلى أعضاء مجموعة العشرين الذين لا يعانون من هذه الأزمة، وهذا يعني الدول الاقتصادية حديثة النمو، إذا هي رغبت في ممارسة ذلك الدور القيادي.