قبل الدراسة في الجامعة، وقبل أربعة عقود من الخبرات المتراكمة، كانت أمه تمثل بالنسبة إليه الحياة كلّها.

قبل الدراسة في الجامعة، وقبل أربعة عقود من الخبرات المتراكمة، كانت أمه تمثل بالنسبة إليه الحياة كلّها، فهي جماع المعاني الجميلة، وهي الحضور الدائم في كل حديث أو حوار.
يقول عنها: أمي هي الحنان الذي أستهدي بها بحثا عنه، والنجاح الذي أشقى من أجله، والهناء الذي أحلم به، لأنها كانت رمزا مضيئا لكرامة المرأة وعزمها وقدرتها على قهر الصعاب، وهي مدرستي التي تعلمت منها الكثير، إدارة وتدبيرا.
نعم؛ فكلما قرأ عارفٌ بعبدالرحمن السدحان، له، أو عنه، تذكّر أمه العسيرية الحانية، وتساءل: هل قرأت تلك الراحلة ـ رحمها الله ـ له، أو عنه؟ وكيف سيكون حال قلبها، لو أنها ترى عبدالرحمن يوم الاثنين؟
يا الله، كم أنت كريم، وأنت تستجيب دعوات سيدة التعب، لطفلٍ مُشتّت بين بقاع الغيم، وجهات النأي التي يرتحل إليها والده.. لطفلٍ كانت رحلتُه اليوميّة من قرية\حي مشيّع، إلى ساحة البحار بوسط أبها ـ حيث مدرسته ـ محفوفةً بالخوف والتعب، ودنحي، الذي يرجم من عرفَ ومن لم يعرف.
كم أنت كريم يا رب العالمين، وأنت تستجيب دعوات الأم، فيعود طفل الترحال من جامعة جنوب كاليفورنيا بدرجتي البكالوريوس والماجستير، في وقتٍ كانتا فيه بعيدتين كنجمتين في أقصى الفلَك.
وكلّما شهد عارفٌ بعبدالرحمن السدحان، نجاحاً له، أو إشادة به، استحضر صورة تلك الرؤوم، وهي تبكي مودعة طفلها ذا السنوات الست، وهو يوطي إلى جازان، كي يلقى أباه البعيد، هابطاً عقبة ضلع، ذات الجبال المهيبة، وعابراً الشعاب التي لما تُطوعها وسائل النقلة حتى الآن، وربما لن....
أمين عام مجلس الوزراء، نراه على الشاشة ـ كل يوم اثنين ـ قريباً من القمة والقرار والعِلْية، ونرى في الجانب الآخر من شاشة الذاكرة، فيلماً توثيقيّاً يعرض التفاصيل الدقيقة، ويلون المشاهد الأولى من حياة ذلك المسؤول.
القارئون بنهم، لا يعرفون الجوانب الخفية من حياة مسؤول رفيع، كما يعرفونها في عبدالرحمن السدحان؛ الطفل، والشاب، والمبتعث، والمسؤول، وذاك لأن السدحان نوع خاص من التكنوقراط الذين لم تصبهم عدوى الوجاهة الزائفة، فلم يبرحوا إنسانيتهم كما خلقها الله، وهي الحياة السويّة التي لا تغادر أشجاراً استمعت إلى نحيب طفل مغبون، أو تنسى جدراناً خربَشَ عليها صبيٌّ أحلامَه، أو سقوفاً تدلت منها طموحاته كحبال تتوق إلى الاستقرار في راحتيه.
السدحان، كما في قطرات من سحائب الذكرى، يعقد حلفاً نادراً مع الذكريات والمكان، فهو واحد من المؤمنين بـ سَبْرة أبها، وطلّها، وغيمها، وغدرانها، ومشيّعها ودنحيّها، وواديها الذي ما برح العكوف على خصوبته، كما أراده الله وخلقه، والسدحان من البارين بنسائها الكادحات اللائي كنّ يشاركن الرجال في الغيث والرغيف والقطعان والكدح والحياة، ومن الموالين للفلاح الذي أدمتْ يديه الشقوق، وشقّقتْ قدميه الحياة، وهو يهز غصون النهارات، كي تساقط عليه فرحاً جنيّاً.
السدحان الإداري، لم يتول قط، مسؤولية التنفيذ الحقيقي لأي برامج تنموية؛ على الرغم من أنها تعبر من بين يديه، فيتابعها متفرّجاً، عارفاً بأماكن الخطأ، عالماً بجهات الجودة، فهل يستطيع أن يضع قلمه ـ ذات يوم ـ على أسباب الخلل، وعوامل النجاح، بكتابة سيرته بوصفه أميناً عاما لمجلس الوزراء؟
السدحان الإداري، كان يدرّس الإدارة في معهد الإدارة العامة، وفي الوقت ذاته يقوم بأعمال سكرتارية اللجنة العليا للإصلاح الإداري، ثم أمضى عشرة أعوام نائبا لأمين عام مجلس الوزراء، ثم أمينا عاما له، منذ سبعة أعوام، فهل يستطيع ذو الروشيتات الإداريّة، في معهد الإدارة العامة، أن يكون في المعمعة، ويحتمل النقد الجارف الذي تتعرض له الهيئات والوزارات الحكومية؟
قدرة السدحان على الصدق، وميله إلى الشفافية، وقدرته على إدارة برمجة الأعمال في مجلس الوزراء، تجعلان الإجابة: نعم، ولكن هذه الـ نعم لن تنال الدرجة الكاملة من الصحّة إلا بالتجربة.