من الطبيعي أن يتحدث الناس في شهر رمضان عن المسؤولية والرعاية والأمانة.

من الطبيعي أن يتحدث الناس في شهر رمضان عن المسؤولية والرعاية والأمانة. لذلك ومن الطبيعي أيضاً أن تكون حماية المستهلك من أولى القضايا التي تستحق النقاش، لأنها تمس مصالح المواطنين وتحميهم من جشع السوق. دعونا ننطلق مما قاله أحد رجال الأعمال قبل ثلاثة أشهر مدعياً أنهم لا يكسبون إلا (الهلل). ترى هل كان رجل الأعمال صادقاً؟ أم أنه أراد أن يشغلنا عما يفعله التجار بالسوق فنتـلهى بتجميع الهلل، لنحلم ببناء أبراج استثمارية على طريقتهم في حصاد الهللات؟ لو كان الأمر كذلك فلماذا لا يتركون هذه التجارة التي (ما تجيب) همها؟ لو كنت مكانهم لدخلت سوق مقاولات الطرق وسدود السيول..
لا أحد يريد من تجار السلع أن يدفعوا من جيبهم، ولكن في نفس الوقت فإن المواطن لا يريدهم يأخذوا من جيبه أكثر مما هو مستحق. سوف أذكر ثلاثة أمثلة تبين الاستخفاف بحقوق المستهلك في هذا الشهر الكريم: أولها وهو لافت للانتباه إزالة التسعيرة من الأرفف لإجبار المستهلك على حمل السلعة دون معرفة السعر الحقيقي. وقد دأبت أيضاً محلات التموين على إزالة آلات قراءة الأسعار scanner من الأرفف منذ عدة سنوات ليحرموا المستهلك حقه في الاختيار. المثال الثاني، خداع المستهلك بوهم التخفيضات من خلال وضع كثير من السلع بأسعارها العادية في الزوايا المخصصة للعروض والتخفيضات فيحملها المستهلك ظناً منه أنها مخفضة، وكذلك من خلال تأجير الزوايا الأمامية على الوكالات الكبيرة لعرض سلعها على أساس أنها مخفضة. الثالث، التلاعب بتكرار التخفيضات التجريبية في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث يكتشف المستهلك أن السلعة التي اشتراها بالأمس قد تغير سعرها وانخفضت.
أي متابع لأسواقنا سوف يكتشف أن ارتفاع أسعار السلع التموينية غير مبرر وبالتالي يسهل عليه دحض حجة الارتفاع العالمي. وأمامنا منتجان من الصناعات المحلية يهدمان هذه الحجة: الأول عندما أقيم مصنع السكر صحبته دعاية بأنه سوف يحمي المستهلك من تقلبات السوق العالمي، ولكن للأسف ارتفعت أسعار السكر من بدء قيام المصنع حتى الآن أكثر من ثلاثة أضعاف سعره القديم.. وفي السنوات الماضية انطلق بسرعة الصاروخ من 25 ريالا إلى أكثر من أربعين ريالا. المثال الآخر من صناعة زيوت الطعام. حيث اضطرت مصانع الزيوت إلى تخفيض السعر قبل عشرين عاماً عندما دخلت زيوت المصانع الخليجية أسواقنا، ومعنى ذلك أن مصانعنا كانت تأخذ من أموالنا أكثر مما هو مستحق. وأمامنا برهان آخر على تلاعبها بحق المستهلك فعندما انخفضت أسعار الزيوت في العالم قبل ثلاث سنوات لم تخفض مصانعنا أسعارها!!
بكل تأكيد أن هذه الأمثلة تكفي لصحة الرأي العام القائل بأن ما يجري من ارتفاع محموم في الأسعار لا تهتم به وزارة التجارة وكأن الأمر لا يعنيها. ورغم ذلك نسمع أن ارتفاع الأسعار ظاهرة عالمية، ويطالبوننا بمقارنة الأسعار بدول أوروبا! ونحن بدورنا نطالب وزارة التجارة بمقارنة الأسعار قياساً على أسعار الدول العربية المحيطة بنا. ففي كل يوم نشاهد الإعلانات في قنوات هذه الدول، يتأكد لنا أن الأسعار عندهم أرخص، وعندنا تتصاعد حتى في شهر الصوم!