تجاهد كي تصل إلى أهدافها المنشودة بصمود الناجحات، تقفز فوق حاجز الإبداع لتتحدى به الأصحاء وترسم معالم مستقبل أيامها القادمة، وتثبت لنا مع حلمها أن المرض الحقيقي هو مرض الروح

(سارة) طفلة سعودية كتبت رسالةً قبل أربعة أعوام لقيادات رفيعة المستوى، حلمت فيها بأشياء صغيرة، من بينها تلفزيون تشاهد فيه الرسوم المتحركة، وآمال متناثرة.
عادت قبل عام تقريباً لتلقي رسالة إلهام موجعة عندما أجبرت حينها وزير الشؤون الاجتماعية يوسف العثيمين على ارتجال كلمةً لم تكن معدة في برنامج حفل افتتاح الجمعية السعودية الخيرية لمرضى الإيدز. ظلت سارة سامقة صامدة دون توقف أمام دموع الحضور تلقي خطابها المذهل المؤثر: لن أقف اليوم لأتوسل دموعكم الحارة، ولا دعوات بعضكم الباردة.. أقف أمامكم الليلة وفي عينيّ تعبر ألف دمعة ذكرى، وألف طابور من الحكايات المؤلمة ورائحة المستشفيات والموت.. عندما أصبت بالإيدز منذ ما يقارب 3000 يوم زرع المرض وجوده في جسدي، في الوقت الذي كنت أحلم فيه بالألعاب والحلوى صرت أحلم بالأدوية والشفاء ولو لأيام فقط.. منذ طفولتي وهذا المرض يتجول في شراييني ومعه تتجول نظرات زميلاتي ومجتمعي لي وكأنني كائن غريب لا يصح الاقتراب منه، ورغم ذلك لست من قائمة المحبطين والمحبطات.. منذ بواكير عمري وأنا كغيري أدفع فاتورة المرض كل يوم، أتنقل من مدرسة لأخرى وأسمع يومياً عشرات العبارات التى تؤذيني، وقليل من الناس الذين يحبونني ولكن ليس من قلبهم.. بل شفقةً وعطفاً وهذا ما يزعجني.. فليس لي سوى صديقة واحدة أشكي لها همي.. استدركت قائلة ليس معي سلاح سوى الأمل بالله وأن تحمل الأيام القادمة العلاج ليقضي على هذا المرض من جذوره.. فقد أتعبني بوجعي، وأتعبته بقوتي، وسأنتصر عليه بإذن الله ثم بدعم المحيطين بي.
سارة تحلق كالفراشات في أحلامها البيضاء كل يوم لتتصفح وجهها في المرآة لتشحن نفسها بطاقة كبيرة من الصبر والصمود كي تواجه مصيرها، وترى أن الهروب هو السبب الوحيد في الفشل فحذفته من قائمة خيارات حياتها واختارت إجابة واحدة على الهزيمة هي الانتصار؛ فأملت أن تكون صحفية مميزة تكتب بالقلم والألم لتفتح أبواب الحياة الموصدة لدى مرض ومجتمع، كلاهما صنوان، استقطبتها صحيفتنا الرصينة الوطن وبدأت بصنع أول عمل صحفي، وفي موقف مؤثر راقٍ رفضت تسلم مكافأة خصصتها لها الوطن، معلنة التبرع بها للأطفال المصابين بمرض الإيدز في الجمعية الوطنية السعودية الخيرية لمرضى الإيدز. تقول سارة تبرعي جاء انطلاقاً من وجود أطفال صغار مصابين هم أحوج لقيمة الجائزة.. على الأقل لدي أب وأم وشقيقات يهتمون بي في كل لحظة.
يقول الصحفي الإنسان (علي مطير) الذي يشرف على متابعة صحتها وأعمالها: سارة طفلة عظيمة واثقة من نفسها، لا تستسلم أبداً حتى وهي على سريرها أحياناً ترسل لي باستمرار تقارير صحفية ومواضيع متطورة جداً بكل ثقة وإصرار نحو الحياة والإنجاز والصمود الذي يجري في دمها مجرى مرضها، إنها تسير ببطء وصمود وإبداع، ولكنها لا تسير إلى الخلف أبداً على طريقة أبراهام لينكولن.
(سارة) طفلة تعاطت مع وخزات الألم ونظرات الريبة والضعف والأسئلة اللعينة التي لا تنتهي ملاحقةً مرضى الإيدز فصنعت لنا ولذاتها إجابات مطرزة أملاً وآفاقاً مع الحياة وخطوط طول لا تنتهي مع أمانيها وأمنياتها، تنير طريق الحياة وتفتح بشعاعها الأبواب التي أوصدها مجتمعها وشيطان المخاوف!
(سارة) مازالت تقدم لنا دروساً عظيمة جداً في الحياة وتنمية الذات ونبض أمل نحو الاستمرار، وأن ليس للحياة قيمة إلا إذا وجدنا فيها شيئا نسعى من أجله، وقصة عظيمة بلسان مؤمن صابر، وقلب عاشق للحياة، ودرسا آخر بليغا نحو نظرتنا الاجتماعية القاصرة لمرضى الإيدز وكأنهم كائنات غريبة ينبغي الابتعاد عنها.
(سارة) تظل تحلم حلماً واحداً تنتصر فيه نهائياً على المرض لتفرح كالأطفال، وتزرع الكعك والحلوى وأناشيد العيد، تجاهد كي تصل إلى أهدافها المنشودة بصمود الناجحات، تقفز فوق حاجز الإبداع لتتحدى به الأصحاء وترسم معالم مستقبل أيامها القادمة، وتثبت لنا مع حلمها أن المرض الحقيقي هو مرض الروح فقط وليس غيره!