لا توجد هنالك حلول سحرية لمواجهة تحديات عالمنا العربي المزمنة، ولكن علينا قبل فوات الأوان التركيز على ربيع الإنسان وتنمية الفكر والمعرفة لديه، لاجتثاث شأفة البطالة والفقر والجهل والمرض والجوع والعطش في أوطاننا

ستيف جوبز مؤسس شركة أبل ورئيس مجلس إدارتها، أميركي من أصل عربي سوري. والده عبد الفتاح جندلي المولود في مدينة حمص السورية بتاريخ 1931 غادر مسقط رأسه إلى بيروت في الثامنة عشرة من عمره عندما أيقن أن الربيع العربي المطبوخ على نار هادئة في اتفاقية سايكس بيكو ليس سوى أضغاث أحلام عربية بحتة.
في عامه العشرين حصل عبد الفتاح على بعثة تعليمية من جامعة ويسكنسون الأميركية فهاجر إلى هناك، حيث تعرَّف على زميلة دراسته جوان سيمبسون، وأنجب منها في عام 1955 طفلاً أسماه ستيف وطفلةً أسماها منى. عندما تقدم الشاب السوري عبد الفتاح للزواج من صديقته الأميركية قوبل برفض والدها المحافظ، مما اضطر الصديقان للتنازل عن طفليهما ونقل حضانتهما لعائلة أميركية مغمورة تحمل اسم جوبز في كاليفورنيا.
لو اقتنع عبد الفتاح جندلي باتفاقية سايكس بيكو وقرر العودة مع ابنه ستيف إلى مسقط رأسه في مدينة حمص السورية لكان مصيره اليوم مشابهاً لمصير أهالي حمص وحماة ودرعا، الذين يذوقون العذاب والقهر والموت على يد الربيع العربي المرتقب. إلا أن ستيف جوبز استقر في أميركا إلى جانب والديه البيولوجيين مكرماً ومحاطاً بخيرات ربيع أميركا.
خلال العقد الماضي استطاع ستيف جوبز ببراعة فائقة أن ينفرد بربيع الأرباح الموسمية الأميركية، وذلك على الرغم من مستجدات الأزمة المالية العالمية الناتجة عن استباحة الدول المتقدمة في العقد الماضي لأبسط قواعد العولمة الاقتصادية التي أدت إلى خسارة أسواقها المالية خلال الأيام العشرة الماضية فقط لأكثر من 10 تريليونات دولار، كردة فعل لخسارة أميركا لتصنيفها السيادي الائتماني،
وفي الوقت الذي هوت الأسواق الأوروبية خلال الأسابيع الثلاثة الماضي تحت وطأة إفلاس اليونان وترنح ميزانيات إسبانيا والبرتغال وإيطاليا بسبب عجز مصارفها المركزية عن تسديد ديونها السيادية؛ استطاعت شركة أبل الأميركية أن تتخطى بقيادة رئيس مجلس إدارتها السوري الأصل حالة الذعر التي أصابت شركات الاتحاد الأوروبي وأدت إلى تفاقم خسائر أسواقها المالية بحدود 1000 مليار دولار خلال جلسة يوم الاثنين الماضي.
الخسائر الفادحة في أميركا وأوروبا جاءت من حظ ستيف جوبز، فبينما تدحرجت أسهم كافة الشركات في الأسواق المالية العالمية خلال الأسبوع الماضي حققت شركة أبل أعلى ربحية في تاريخها، وتربعت عرش أكبر شركات العالم بقيمة سوقية تساوي 363 مليار دولار أميركي، لتفوز بذلك على شركة إكسون موبيل النفطية التي هوت قيمتها إلى 337 مليار دولار.
الربيع العربي في أميركا ليس حكراً على ستيف جوبز، فهنالك عشرات الآلاف من الخبراء والعلماء العرب الذين لم يقتنعوا باتفاقية سايكس بيكو وغيرها التي أجبرت العالم العربي على الانزلاق في الهاوية وأجبرتهم على الهجرة إلى أميركا وأوروبا. الإحصائيات الأخيرة تشير إلى أن العرب المهاجرين إلى الدول المتقدمة يشكلون 50% من الأطباء و40% من العلماء و23% من المهندسين.
تقرير التنمية البشرية العربية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أواخر عام 2009م، أوضح أن سكان الوطن العربي تجاوز حاليا 340 مليون نسمة وسيرتفع إلى 482 مليونا في عام 2025، لتصل نسبة من هم دون سن الخامسة والعشرين إلى 60%. وأكد التقرير على ضرورة قيام الدول العربية بضخ 150 مليار دولار من الاستثمارات، ورفع معدل النمو الاقتصادي من 3% إلى 7% لتوفير 100 مليون فرصة عمل جديدة لمواكبة هذه الزيادة، ومواجهة مشاكل وتحديات العالم العربي المزمنة.
في مطلع العام الجاري افتتحت مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة في بريطانيا متحف العلوم في لندن، ليحتفي باختراعات المسلمين التي تجاوزت 1001 اختراع في مختلف المجالات العلمية والطبية والهندسية والفلكية، وليقضي على السمعة السيئة لمسلسلات ألف ليلة وليلة.
احتوى المعرض على نموذج لخريطة للعالم التي رسمها الجغرافي المسلم الشريف الإدريسي في القرن الثاني عشر قبل وقت طويل من رحلات المستكشفين الغربيين مثل كريستوفر كولمبوس وماركو بولو.
كما احتوى المعرض على أدوات طبية وجراحية عمرها 1000 عام، ونموذج لمنزل صديق للبيئة، وغرفة مظلمة من القرن التاسع استخدمها العالم المسلم الحسن بن الهيثم في القرن الحادي عشر لدراسة المناظير والعدسات، وأطلق عليها لقب القمرة التي اقتبسها علماء الغرب لتصنيع ما أسموه لاحقاً الكاميرا.
وكانت موسوعة الطبيب الأندلسي المسلم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي أهم معالم المعرض، التي احتوت على 1500 صفحة لوصف العمليات الجراحية الدقيقة واستخدمت في الجامعات الأوروبية كمرجع لمدة 500 عام.
كما أوضح المعرض أن الأميرة فاطمة الفهرية أسست في عام 859 أول جامعة في التاريخ في مدينة فاس بالمغرب، وأن أحمد بن طولون كان أول من بنى وشيّد في عام 872 المستشفيات والمراكز التعليمية والعلاجية في العالم كما نعرفها اليوم، ومنها انتشرت المستشفيات في العالم الإسلامي كله، ثم في جميع أنحاء العالم.
لا توجد هنالك حلول سحرية لمواجهة تحديات عالمنا العربي المزمنة، ولكن علينا قبل فوات الأوان التركيز على ربيع الإنسان وتنمية الفكر والمعرفة لديه، لاجتثاث شأفة البطالة والفقر والجهل والمرض والجوع والعطش في أوطاننا مثل ما قامت به ماليزيا وكوريا وتايوان وسنغافورة.
بعد نجاحه المنقطع النظير في وضع شركته العملاقة على رأس قائمة الشركات العالمية، أعلن ستيف جوبز أن نجاحه جاء لإيمانه بأن الإنسان هو المورد الاقتصادي الأول دون منازع.