في المناهج التاريخية الحديثة تتم العودة إلى التاريخ ليس بوصفه سلطة يفرض نفسه بقوة على معطيات الحاضر، وليس بوصفه أسطورة أو خرافة تلغي من تأثيره على الواقع، بل إنه معطى تاريخي يتم التعامل معه على ما هو عليه وإخضاعه للمراجعة والبحث والنقد
للتاريخ سلطته. تتجسد هذه السلطة من خلال عمق تأثيره في تشكيل الوعي للحاضر وربما المستقبل إذا لم يتم نقد السلطة التي يمتلكها أو حتى فهم الكثير من قضاياه التاريخية التي طرحها في وضع تاريخي محدد، ولأسباب تاريخية محددة، في إطار زمني محدد. يؤثر التاريخ في تكوين وبنية الشعوب، ولذلك دائما ما تم تغليف التاريخ بنوع من الحماية الفكرية والثقافية لما يحمله من سلطة على أصحابه، ولما يحققه أحيانا من فرض هوية تتشكل وفق تشكل ذلك التاريخ، وعليه تصبح الشعوب خاضعة في بنية تكوينها إلى التاريخ حتى في أكثر الدول تقدما، ولم يفلت من هذا الإطار إلا الوعي العلمي والفلسفي الذي تأسس على نقد المسلمات والبديهيات، ومن هنا تمت محاربة العلوم والفلسفة كون التاريخ ذاته يخضع إلى نقد علمي وموضوعي له مدارس عديدة، وهي بطبيعتها لا تخضع إلى قدسية التاريخ بقدر ما تضع هذه القدسية تحت طائل المساءلة العلمية التي تهاوت معها الكثير من المسلمات التاريخية؛ خاصة فيما يتداخل فيه الحدث التاريخي مع السرد الأسطوري أو الحدث التاريخي مع الرؤية الدينية، ليتم فيما بعد فصل ما هو زمني تاريخي عما هو متعال وقدسي، كما يتم التفريق بين السرد الخاضع للمجال الأسطوري بوصفه أحد أشكال السرديات الكبرى المتأسسة على رمزية محددة، وبين الجانب التاريخي بوصفه حدثا تأسس وفق أطر تاريخية واجتماعية يمكن دراستها دراسة معمقة وناقدة.
والناس أمام التاريخ أصحاب رؤى مختلفة يفرضها التاريخ نفسه، بحكم مدى وثوقية ما ينقل أو يكتب، وبحسب الناقلين ومدى تعمق سلطة التاريخ في أذهانهم وفي وجدانهم الجمعي، أو مدى سلطة المذهب الذي تشكل وفق هذا التاريخ بالضرورة. كما أن المتعاملين مع التاريخ هم أيضا أمام حالات عديدة من القراءة ـ إذا صحت العبارة ـ فمن متماهٍ مع التاريخ تماهياً كلياً بحيث يقبل كل ما في هذا التاريخ بما فيه الجانب الأسطوري؛ على اعتبار تلك الأساطير أو الحكايات التاريخية هي أحداث جرت فعلاً في أول العصور أو في بعضها، وآخر يرى في التاريخ جانبا دينيا يجب التعامل معه بنوع من القدسية، بحيث لا يمكن قدح شخصياته التراثية وإنكار الجوانب السلبية فيه، بل يمكن أن يصل إلى إعادة كتابة التاريخ بتلك الصورة المثالية خاصة فيما تداخل فيه الديني بالتاريخي في بعض شخصيات التراث، وآخر يرى في التاريخ فرصة لإثبات الذات الفعالة أو حتى غير الفاعلة، بحيث يمكن أن يحقق تفوقا ولو بالصفحات السوداء من ذلك التاريخ، كالقمع مثلا، أو تسلط بعض الشخصيات التراثية، واعتبار ذلك حقا كونه صدر من ذلك التاريخ، وإسقاطه على أرض الواقع، ومحاولة تبرير مشكلات الوقع بمشكلات الماضي. في المقابل هناك من يرفض التاريخ والتراث جملة وتفصيلا، ذلك لأنه يرى فيه أحد أشكال التخلف التي تقبع فيها الشعوب. البعض من هؤلاء يدعو إلى القطيعة الكاملة مع التراث ومع التاريخ. برأيي أن القطيعة مع التراث أو مع التاريخ هي قطيعة مع سلطة هذا التراث وهذا التاريخ، وليست مع التراث أو التاريخ نفسه، لأن لكل شعوب الأرض تراثها وتاريخها الذي تحفل به؛ لكن ليس بالضرورة أن يكون سلطة يمارس البعض من خلاله هيمنته على المجتمعات، بل هي قطيعة تسمح بنقده وتجاوزه وليس الإلغاء بالكلية.
في المناهج التاريخية الحديثة تتم العودة إلى التاريخ ليس بوصفه سلطة يفرض نفسه بقوة على معطيات الحاضر، وليس بوصفه أسطورة أو خرافة تلغي من تأثيره على الواقع، بل هو تاريخ أو أنه معطى تاريخي يتم التعامل معه على ما هو عليه وإخضاعه للمراجعة والبحث والنقد، ودراسة مدى تأثيره في البنى الفكرية المعاصرة، أو لدراسة مدى الترميز الثقافي في أحداثه الأسطورية من خلال البحث السوسيولوجي أو البحث الأركيولوجي أو الأنثربولوجي، وكشف التماسك التاريخي فيه، أو الخلل، وفرز الديني عن التاريخي عن الأسطوري رغم التداخل بين هذه البنى الثلاث في بعض الأحيان.
الإشكالية هي في مسألة تأثيرات الأيديولوجي في البحث العلمي. الوعي الذي تشكل من خلال الرؤى الأيديولوجية أو المذهبية لا يمكن له أن يكون محايداً لأنه وعي تبريري أو وعي انتقائي، يحاول التبرير التاريخي للكثير من قضاياه، أو ينتقي ما يمكن أن يتماشى مع إطاره الفكري أو الثقافي بشكل عام، لأنه في أساسه وعي جاء نتيجة لهذا التاريخي ومن الصعوبة بمكان التخلي ولو من أجل الدرس البحثي عما أنتجه التاريخ في الشعور الجمعي، ودائما ما يختلط هذا الشعور مع الرؤية البحثية أو القراءة التاريخية للحدث الماضي بشكل واع أو بشكل غير واع. التبريرات تأتي لأسباب عديدة لكن من أهمها: الرؤية المثالية للتاريخ أو ما يمكن أن يسمى إنتاج التاريخ بحيث يصبح هذا التاريخ متحققا على الواقع المتعين لقارئيه، كنوع من فرض الشرعية المطلقة على أحداث واقعية كان من المفترض أن تكون متحولة بفعل طبيعة تحول التاريخ، وعلى هذا الأساس تتم إعادة إنتاج التاريخ من جديد بمحاولات مثالية أو محاولات تبريرية لعل من ضمنها المفهوم الديني: الاجتهاد وذلك لتبرير بعض أخطاء الشخصيات التاريخية المعتبرة، وخصوصا فيما داخلها من صبغة دينية ولو ضئيلة، كصبغة الخلافة التي منحت الكثير من الخلفاء حق التسلط والتحكم في مصائر الناس دون وجه حق في بعض الأحيان، لأسباب تاريخية وسياسية خالصة يمكن كشفها في الدرس التاريخي البسيط، فما بالك بالمتعمق.
ولأن التاريخ يكتبه المنتصرون فإن ما يتم عمله هو محاولة لإعادة إنتاج التاريخ وفق الرؤى الأيديولوجية المهيمنة على الواقع، وفرض ذلك بسلطة التقادم التاريخي أو بسلطة المذهب أو بسلطة السياسي والديني معاً من أجل خلق صورة مثالية وشرعية على الواقع. فالأصل إذن هو الواقع، والتاريخ ما هو إلا محاولة لتبرير هذا الواقع.