إذا ما حاولت أن تتفهم دوافع هذه الشعوب للثورة على الأنظمة.
إذا ما حاولت أن تتفهم دوافع هذه الشعوب للثورة على الأنظمة، فاذهب إلى الصورة الخلفية في الإطار الذي تبثه مقاطع الفضائيات. تمعن جيداً كيف هي البنايات والأرصفة والشوارع والساحات. تمعن في وسائل النقل ثم انظر إلى مستوى البنى التحتية التي قدمت لهذه الشعوب لتعرف كيف حول هؤلاء الحكام خيرات شعوبهم إلى إقطاعية عائلية خاصة. ترقد ليبيا على شبه بحيرة من النفط وتنتج في المعدل ربع الإنتاج السعودي من الزيت مثلما هي بحجم سكان يوازي ربع سكان المملكة. وفي العاصمة طرابلس، تستأثر – الساحة الخضراء – بمكانة ساحة الكونكورد في باريس وتايمز سكوير في نيويورك وساحة قصر المصمك في الرياض. منها يتحدث الزعيم وفي قلبها تجتمع الجماهير منذ الغزو الإسباني حتى ثورة الفاتح.
لكن – الكاميرا – الفضائية وهي تتجول مساء البارحة في زوايا الساحة لا تنقل سوى البؤس والفقر ولا تشير إلا إلى الضعف والتهالك. تشعر بالشفقة على بضعة سيقان لأشجار ذابلة مثلما تشعر بالهوان وأنت تشاهد شارع الساحة القادم من أروقة العقود الوسطى في بلد ينام على (سرت) من النفط. ساحة قريتي العامة في مهجرها الجبلي البارد تبدو أكثر حداثة وأناقة من الساحة الخضراء التي ظلت لأشهر طويلة سيد الحلم الليبي لثوارها بالوصول. لأجل هذا تثور الشعوب. تثور حين يكون إذلال الأرض سلطة سياسية ممنهجة وحين يكون إفقار المكان والإنسان هدفاً لعصابة سياسية لا تتبرع لشعوبها من خيراته سوى بالفتات. تثور الشعوب حين تشاهد ساحاتها العامة أوكاراً للجرذان وعششاً للدبابير. تثور حين لا تشاهد اللون الأخضر إلا في مخيلة الزعيم وفي عيون عصابته فيما الشعب على – الأرض اليباب – تماماً مثلما هي رائعة تولستوي. انظروا لصور ليبيا الخلفية على الشاشات لتفهموا السر الخفي لكل هذه الثورات المتتالية.