هدف مفاوضات جولة الدوحة للتنمية يرمي إلى كبح جماح تيارات العولمة، لتصبح أكثر اتزاناً في جسر الهوة المتفاقمة بين الدول المتقدمة والدول النامية
في الأسبوع الماضي حذّر روبرت زوليك رئيس البنك الدولي من أن الاقتصاد العالمي بدأ الدخول في مرحلة الخطر. وفي الشهر الماضي أعلن باسكال لامي مدير عام منظمة التجارة العالمية أن المفاوضات التجارية الشاملة التي بدأت قبل 10 سنوات، دخلت مرحلة الخطر، لأنها فشلت لتاريخه في تحقيق التقدم المنشود، ورأب فجوة تباعد المواقف بين الدول المتقدمة والدول النامية.
الفرق التفاوضية التي تمثل 153 دولة في المنظمة، ما زالت تسعى في محاولة أخيرة لإنقاذ جولة الدوحة للتنمية من الفشل الذي منيت به الجولات السابقة في سياتل وكانكون، وتأمل في تحقيق النجاح لهذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها بعد إنشاء المنظمة في يناير 1995.
هذه المفاوضات تزامنت مع تفاقم مشاكل الاقتصاد العالمي المؤرقة لشعوب الأرض قاطبة، التي تنحصر في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء من جهة، وترنح أسواق المال والعقار من جهة أخرى. فالدول النامية تطالب الدول المتقدمة بضرورة إزالة الدعم المحظور والمزمن الذي تتمتع به منتجاتها وصادراتها الزراعية، والذي فاق 300 مليار دولار سنوياً. في المقابل تسعى الدول المتقدمة إلى تحسين فرص نفاذ صادراتها الصناعية في أسواق الدول النامية، وتطالبها بضرورة تخفيض الرسوم الجمركية، وإزالة العوائق الفنية المفروضة على السلع المستوردة من الدول المتقدمة.
عند إطلاق هذه الجولة من المفاوضات في مدينة الدوحة، كان هدفها الأساس يرمي إلى كبح جماح تيارات العولمة لتصبح أكثر اتزاناً في جسر الهوة المتفاقمة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وأقل اعتماداً على الإرادة السياسية التي فشلت في تحقيق الإجماع على المواضيع المتشعبة والعديدة المطروحة على الأجندة وتحويلها إلى أطر تفاوضية واضحة.
اليوم أيقنت الدول الأعضاء أن الفشل في الوصول إلى إجماع بينها على برنامج عمل مستقبلي، يدفع أهداف النظام التجاري العالمي إلى جعل شعوب الأرض تتساءل عن قدرة المنظمة كمحفل جدير بإجراء المفاوضات التجارية الشاملة، لأن الفشل من شأنه أن يدين العولمة لجنوحها عن الواقع الذي تعيش فيه الشعوب.
الدول المتقدمة برئاسة أميركا وأوروبا واليابان تسعى لإضافة اتفاقات جديدة في ميدان العولمة حول معايير البيئة وحقوق العمل والعمال والتجارة الإلكترونية والمؤشرات الجغرافية، بينما تصرّ الدول النامية برئاسة الهند والبرازيل والصين على أهمية بناء الثقة في اتفاقات العولمة الحالية قبل البدء في طرح مواضيع جديدة للتفاوض بشأنها، وتطالب بضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مثل إلغاء كافة أشكال الدعم الزراعي المشوه للتجارة.
هذا العبء الثقيل الملقى على كاهل الدول أدى إلى إثارة تيارات العولمة في دهاليز المنظمة، خاصة أن الدول النامية مثقلة أصلاً بأحكام اتفاقات السلع والخدمات، ومكافحة الإغراق، وتسوية المنازعات، وحقوق الملكية الفكرية والمنافسة والمشتريات الحكومية، التي أصبحت تشكل عبئاً على اقتصاديات الدول النامية التي أرادت تعديل الخلل الواضح في قواعد المنظمة.
أجندة الدوحة للتنمية جاءت أصلاً لتعكس أولويات التنمية ذات العلاقة الأساسية بالقضايا الهامة للدول النامية، لذا أصبح من الضروري في هذه المرحلة الحرجة من مراحل المفاوضات التجارية الشاملة أن تبدأ المنظمة بإزالة هذه الاختلالات.
لا شك أن تنفيذ الاتفاقات قد يؤدي إلى تغيير حقوق والتزامات الدول الأعضاء في المنظمة، علماً بأن نهج المنظمة لا يلغي الالتزام أو يحدّ منه دون أن يدفع تعويضا مقابله، ومن هنا فإنه ينبغي معالجة هذه المشكلة باعتبارها مشكلة تتعلق بالنظام التجاري العالمي، لا باعتبارها تعزيزاً أو تقليصاً لحق أو التزام معين. كما أن الدول المتقدمة الرئيسية قامت فيما مضى بانتزاع التزامات من الدول النامية في العديد من القضايا دون أن تعطي شيئاً في المقابل، لذا ترى الدول النامية ضرورة أن قضايا التنفيذ يجب أن تشكل مجموعة متآلفة ومتناسقة ومستقلة عن القضايا التفاوضية الجديدة، للتأكد من عدم الخلط فيما بين هذه القضايا عند تقدير أو تقييم مجمل الرصيد المتبقي من برنامج العمل.
بيان الدوحة الوزاري جاء ليحدد هدف هذه المفاوضات التجارية الرامي إلى إدخال تحسينات جوهرية في النفاذ للأسواق، وتخفيض إعانات تصدير المنتجات الزراعية، وإحداث تخفيض ملموس في الدعم المحلي الزراعي، وذلك لتمكين الدول النامية من التعرف بشكل فاعل على احتياجاتها التنموية، بما في ذلك الأمن الغذائي والتنمية الريفية، مع ضرورة توفير المعاملة الخاصة والتفضيلية للدول الفقيرة.
لا شك في أن مساعي الدول لخفض إعانات الصادرات الزراعية تهدف إلى التخلص منها على مراحل، وتشكل أساساً سليماً لمطالبة الدول المتقدمة الرئيسية بالتزامات في هذه المجالات. ولقد حاججت الدول النامية بأن الأمن الغذائي ـ أي الإنتاج المحلي لأغراض الاستهلاك المحلي ـ يمثل أهمية حيوية بالنسبة لها، وهي لا تستطيع الاعتماد دوماً على الغذاء المستورد، لأنها قد لا تمتلك الاحتياطيات المستقرة من النقد الأجنبي اللازم لشراء المواد الغذائية من الأسواق الأجنبية.
الغالبية العظمى من مزارعي الدول النامية تلجأ إلى الزراعة، لا من باب المغامرات التجارية، بل كحرفة تقليدية في المقام الأول، وإذا ما واجهت هذه الدول منافسة دولية فإنه يكاد يكون في حكم المؤكد أن تكون الدول النامية هي الخاسرة، وبالتالي فإن توفير الحماية للعاملين في هذه الحرفة أمر ضروري.
للنهوض بالاقتصاد العالمي، علينا مواجهة الخلل في العولمة لدرء الخطر المحدق بنا والدفاع عن مصالحنا ومكتسباتنا في جولة المفاوضات التجارية الحاسمة والهادفة إلى تنمية مواردنا الوطنية.