شعوب أوروبا التي تدعم حكوماتها الكيان الصهيوني أقرت بحسها الإنساني الفطري الرشيد خطر الصهيونية على العالم والسلم العالمي، ثم يأتي منا
لقد استمرأ بعض الكتاب، واستسهل استخدام عبارة: (الصهاينة أرحم، وبأن إسرائيل أقل خطرا من...)، ضمن مقالاتهم الصحفية التي يشنعون بها ضد النظام العربي الفلاني أو الدولة الإسلامية الفلانية، وهذا خطر كارثي كونه يأتي ضمن التطبيع السلس مع الإجرام الصهيوني المتواصل، والمستمر منذ أكثر من سبعة عقود، ضد شعبنا العربي الفلسطيني، وأمتنا العربية بلا استثناء.
عندما ترد مثل عبارات (الصهاينة أرحم، وأن إسرائيل أقل خطراً)، وما شابهها من صكوك الغفران للإجرام الصهيوني، وبنفس الوقت، صكوك نكران لإنسانية وحقوق شعبنا الفلسطيني المناضل الصامد أمام بلدوزرات السحق والمحق والجزر والإبادة الصهيونية، في مقال أو تعليق ما نكرة، في الموقع الفلاني أو العلاني في الشبكة العنكبوتية، فهذا مفهوم، برغم كونه غير مبرر؛ وذلك لكون الموساد وجواسيسها وعملائها قد ملوا الأرض والفضاء، ولكن أن تأتي مثل هذه العبارات ضمن مقال ينشر في جريدة رسمية، وتحت اسم كاتب معروف، فهذا ما لن يفهم أو يقبل البتة.
ظهر مقال في صحيفة الاقتصادية تحت عنوان (الصهاينة أرحم!)، يوم الاثنين الفائت، بقلم الدكتور عمار بكار، والمعرف أنه خبير في الإعلام الجديد، فصعقت من جراءة وضع مثل هذا العنوان، المسيء، لشعبنا الفلسطيني الصامد والصابر، وبالخط العريض!! حيث كنا قبل ذلك، نقرأ من وقت لآخر مثل هذه العبارات المسيئة، التي تسعى للتطبيع مع الحقد والعداء الصهيوني ضمن سياق مقال، وها نحن نشاهد عبارات التطبيع المتصهين تقفز لتحتل عناوين المقالات وبالخط العريض. وبرغم كون الكاتب، كما ذكر أنه اقتطعه من تعليق في موقع إلكتروني، إلا أنه بدا مؤيدا له لا شاجباً أو معترضا عليه. هل هذا نوع من الإعلام الجديد، الذي يمهد لرسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، الذي رسمه صهاينة اليمين اليهودي والمسيحي المتطرف، أم ماذا؟
لم أكن أعلم أن مثل هذه العبارة ستكون عنواناً، حيث هو عنوان يستفز مشاعر ونضالات وتضحيات شعبنا الفلسطيني الصامد، والمدافع بدمائه وأشلائه، ومنذ عقود، عنا وعن باقي مقدساتنا، كي يلجم الغول الصهيوني من التمدد من النهر إلى النهر.
لقد عمل استفتاء في أوروبا قبل سنوات، عن أخطر الدول في العالم على السلم العالمي، فأتت إسرائيل في المقدمة ولا منازع، أي أن شعوب أوروبا، التي حكوماتها تدعم الكيان الصهيوني وتدافع عن جرائمه ضد الإنسانية وتبررها وتحميه، أقرت بحسها الإنساني الفطري الرشيد، بخطر الصهيونية على العالم والسلم العالمي، ثم يأتي منا من يقول لهم، أنتم عنصريون فهم أرحم علينا من بعض أنظمتنا العربية أو دولنا الإسلامية!! وهذا بالتحديد ما قاله وزير خارجية إسرائيل آنذاك، عندما شجب نتيجة هذا الاستفتاء واتهم شعوب أوروبا بالعنصرية ضد السامية، وبتهاون حكوماتها معهم.
أنا لن أذكر وأردد جرائم الكيان الصهيوني ضد شعبنا الفلسطيني المقاوم والمناضل، الذي وقف بأشلائه التي لا يمتلك سواها؛ سدا منيعا ضد تمدد الصهاينة لنشر التخريب والتمزيق والتدنيس لباقي حدودنا العربية، خارج فلسطيننا المغتصبة، حيث أعتبر هذا إهانة للقارئ الكريم، وذلك بمحاولة إفهامه ما فهمته الشعوب الأوروبية، رغم كل ضلالات الإعلام القديم والجديد لديها، ومحاولاته تطهير ما لا يمكن تطهيره. ولكن سأحاول بقدر استطاعتي التصدي للتهوين من خطر الإجرام الصهيوني، والتقليل من تضحيات شعبنا الفلسطيني، الذي يقف ضده حتى الكثير من الشرفاء اليهود، الذين يعتبرون أن الحركة الصهيونية قد اختطفت دينهم السماوي، وسخرته لأطماعها الشريرة والشرسة اللاإنسانية.
الأمم المتحدة قد أدانت الحركة الصهيونية، منذ إنشائها كمنظمة دولية، ووصمتها بالحركة العنصرية. ثلاثة آلاف حركة مجتمع مدني عالمية، وقفت سدا منيعا، ضد نزع صفة العنصرية عن الحركة الصهيونية العالمية، قبل عدة سنوات في المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية، الذي عقد في جنوب أفريقيا، الذين طردوا من المؤتمر شر طردة وزيرتي خارجية الكيان الصهيوني، ليفني، والولايات المتحدة آنذاك رايس، اللتين حضرتا المؤتمر للضغط على المؤتمرين لنزع صفة العنصرية عن الحركة الصهيونية. ثم يأتي منا من يحاول تهوين أخطار وشرور الصهيونية ومحاولة التطبيع معها!! لحساب من يفعلون ذلك؟ إلا إذا كانوا يتقاطعون مع الحركة الصهيونية عنصرياً وطائفياً، مثلهم مثل اليمين المسيحي الأميركي المتطرف.
أي كاتب في العالم العربي، يستطيع أن يكتب ضد تسلط أي نظام عربي أو إقليمي مسلم، وله الحق في ذلك، ولكن ليس على حساب التهوين والتطبيع مع الإجرام الصهيوني. فلغتنا العربية، لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولغة المعلقات، وعلوم الحضارة الإسلامية؛ تشمل من المفردات والعبارات والأمثلة، ما يغنيه عن التهوين والتطبيع مع الصهيونية من أجل إيصال فكرته. فالتهوين ممن سفك من دماء شهداء شعبنا الفلسطيني وتدنيس قدسنا الشريف، خط أحمر لا يمكن التهاون أو السماح بالتضحية به، من أجل إيصال فكرة، مهما اعتقدنا بنبلها، حتى ولو خسرنا إيصال الفكرة نفسها، مقابل صيانة طهرية دماء شعبنا الفلسطيني، الذي ضرب أروع وأنبل التضحيات من أجل كرامة الإنسان في العالم أجمع، وهو آخر شرف نفتخر ونعتز به، كأمتين عربية وإسلامية. فالدم الفلسطيني خط أحمر كلونه، لا يمكن أن نسمح بتجاوزه، أو الاعتداء عليه أو التهوين من كلفته، مهما كلفنا ذلك من تضحيات دونه.
عندما زل لسان الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، ووصف جرائم صدام حسين ضد جيرانه بجرائم هتلر، انتفض وأزبد وعربد ضده كل صهيوني، وطالبوه بسحب مقارنته صدام حسين بهتلر، والاعتذار للشعب اليهودي، حيث هتلر بالنسبة لهم خط أحمر، لا يجب أن يستخدم كمثال، مهما كلف الأمر. فهم يعتبرون جرائم هتلر ضد اليهود، جرائم لم يسبقها ولن يرتكب مثلها في الكون قاطبة ماضيه وحاضره ومستقبله أحد، ولهذا فالعالم أجمع ماضيه وحاضره ومستقبله، مدين للشعب اليهودي بالتكفير عن خطيئة هتلر، ولو بالتغاضي عن المزيد من سفك دماء الفلسطينيين وتدنيس المزيد من مقدساتهم. ثم يأتي منا من يتطوع بالتهوين والتقليل والتطبيع مع جرائم الحقد الصهيوني ضد شعبنا الفلسطيني بقوله (الصهاينة أرحم)!
أنا ومن هذا المقال أطالب منظمة التحرير الفلسطينية أو حماس، أو أي منظمة فلسطينية أهلية أورسمية، أوحتى منظمة عربية أهلية مسؤولة، بتبني مشروع يقدم للجامعة العربية، يطالب بتجريم التهوين أو التقليل من جرائم الصهاينة ضد شعبنا الفلسطيني، وجعله خطا أحمر يعاقب كل من يتجاوزه في الإعلام العربي. وذلك لتدارك الأمر وإنقاذ ليس فقط حياة الأحياء ممن تبقى من شعبنا الفلسطيني وأراضيه، ولكن حتى لإنقاذ شرف دماء شهدائنا الزكية، الذين سقطوا على أرض فلسطين، منذ وطئته ودنسته أول قدم صهيونية. وحتى لا تنتقل عبارات التطبيع مع الجرم والحقد الصهيوني إلى مانشتات عريضة، نقرؤها على الصفحات الأولى لبعض صحفنا العربية، أو أغلفة مجلاتنا، كما تسربت وبسلاسة غير مسؤولة من متن بعض المقالات إلى عناوينها، فإلى هنا وكفى.