هناك حقائق لن يستطيع إنكارها عتاة المدافعين عن وهم الحضارة العربية المدونة في كتب ومقررات التاريخ الذي بين أيدينا. والذي بقينا ندافع عن أصغر التفاصيل الواردة في متنه وحواشيه منذ أن بدأنا بتدوين تاريخنا

التاريخ، هذه مفردة جدلية أزلية، ولم نكن نحن العرب صادقين مع أنفسنا ونحن نكتب تاريخنا الذي يمتد لمئات مئات السنين. فتعاملنا معها بطريقة مزعجة أوقعتنا في مآزق فكرية وأيديولوجية وسيكلوجية لا حصر لها. ومن الطبيعي أن يتنامي سقف ترسبات الأخطاء تبعاً لطريقة التناول تلك، وترتب على ذلك ما نعانيه في الوقت الراهن من المشكلات الفكرية وغيرها. لقد أوغلنا في تهويل أرجوزة الفتوحات التاريخية العلمية والثقافية التي (افترضنا في عقلنا الباطن) تقديمها للتاريخ الإنساني. وذهبنا بعيداً كعادتنا خلف تمجيد ما لم يكن في أصله (إنتاجاً أو اختراعاً أو اكتشافاً) عربياً خالصاً. فمنذ نشأة التاريخ الإنساني على امتداده، لم يقدم العرب أكثر من نقل أو تهذيب بعض ما اكتشفته أو اخترعته الأمم الأخرى. التي تقدمت علينا، في عوالم التقدم والتحليق وطرح الأفكار، وتقديم منجزالاكتشافات والنظريات العلمية التي ساهمت في صنع أجندة الحضارة الإنسانية على كل المستويات. لقد أخطأ بعض المؤرخين عندما قرروا تقدمنا على الأمم الأخرى في زمن ما وبشكل فيه الكثير من المبالغات. على جيراننا الفرس والروم، والهنود, والصينيين، والمصريين، (ولا أرغب الخوض في عمق قصة وعظمة تاريخ الصينين وقدماء المصريين)، لأن ذلك سيجعلنا في موقف حرج إلى حدٍ بعيد. فقبل آلاف السنين لم يلتفت الإسكندر المقدوني إلينا حتى بطرف عينه اليمنى وهو يتجه شرقاً صوب فارس والهند والقوقاز. لعلمه أنه لا شيء يستحق العناء.
هناك حقائق لن يستطيع إنكارها عتاة المدافعين عن وهم الحضارة العربية المدونة في كتب ومقررات التاريخ الذي بين أيدينا. والذي بقينا ندافع عن أصغر التفاصيل الواردة في متنه وحواشيه منذ أن بدأنا بتدوين تاريخ (أمجاد ومنجزات الأمة العربية). حقائق لا يرغب البعض في نبش مستورها لشعورهم بالخوف من فقدان صولجان الوهم بتقدم الحضارة العربية ذات حروب. (أن نعيش على الوهم تلك أم المشكلات) فالثقافة العربية لم تكن أمة تدوين وكتابة بالأصل، بقدر ما كانت أمة صوتية ترتكز يومياتها على (الرواية والمشافهة)، الذي لم يتغير كثيراً إلا بعد 150 عاماً تقريباً من ظهورالإسلام. وواقع قصة الحضارة. لا نتعدى أن كنا في معظمه مجرد ناقلين، ومهذبين لبعض أسطر المنجزات الإنسانية على مر العصور. وحين تهيأت ظروف مناسبة لننفتح على العالم المحيط بنا من أقصاه شرقاً، إلى أقصاه غرباً (على طريقتنا). أدهشتنا تلك الأمم بمقدراتها وما تملكه من المنجزات والروائع. وفغرت أفواهنا من جمال وبهاء ما رأت الأعين. فتلقفنا ما بين أيديهم من أصول الاكتشافات والنظريات، وعكفنا على ترجمتها، في عملية تدوير تاريخية. راح البعض ينسبها إلينا!
فيما لم تعرف الجزيرة العربية على امتداد تاريخها حضارة حقيقية مدهشة مقارنة بالمنجز الحضاري المقابل عند جيراننا من الأمم الأخرى، باستثناء تلك التي رسمت لنفسها طريقاً حقيقياً في أطرافها الجنوبية التي تعرف بحضارة مملكة سبأ باليمن. وعدا ذلك لا شيء هناك. فالعرب الذين لم يخرجوا من نطاق شبه الجزيرة العربية بشكل مؤثر قبل الإسلام. لم يقدموا شيئاً جديراً بالحديث عنه أو مناقشته بتعمق. إذ بقي أسلافنا العرب أهل حرب وتناحر وتخلف بمعنى الكلمة. والتاريخ يؤكد ذلك في قصصه العديدة. كقصة (الزير سالم) ذلك المقاتل الأخرق الذي قاد حرباً مدة 40 عاماً للأخذ بالثأر!! وحين تقدمت إلينا جيوش الحبشة، لم نجد لأنفسنا حولاً ولا قوة، فهرولنا لنأخذ إبلنا، وندع البيت لربه ليحميه، وقد فعل وحماه.
تاريخ حضارتنا العربية المدون بعد ظهورالإسلام، قد تأمّل فيه وبناه لنا في الأصل غير الأعراب. فمن استنبط لنا قواعد لغتنا هم الأعاجم بعد أن أسلموا كــ(سيبوية، والرازي، والفيروز أبادي، وغيرهم). ومن دونوا لنا كتب الحديث والفنون الأدبية هم أنفسهم إخوتنا الأعاجم كــ(البخاري، ومسلم، والفارابي، وابن المقفع ..وغيرهم). وأشهر الأطباء في تاريخ العرب من إخواننا الأعاجم كـ(ابن سينا، والرازي)، وأبرزعلماء الحساب والجبر من الأعاجم كــ(الخوارزمي، والبيروني،.. وغيرهم)، وأبرع علماء الفلك في تاريخنا من الأعاجم أيضاً. ولأننا لم نكن نحن الأعراب أصحاب العلوم والمنجزات، لم يدم انتعاش حضارة ما بعد الإسلام أكثر من 500 إلى 600 عام فقط، فقد ذهب كلٌ بما هو له. وبقينا نحن نتغنى بأهزوجة خداع أنفسنا (بالماضي الجميل) الذي لم نكن فيه إلا متأثرين لا مؤثرين. التاريخ أكذب المتحدثين، هذه مقولة تبدو صحيحة ويحققها المنقول بين أيدينا عن الحضارة العربية. تكشف حقائق منجزنا مقارنة بالمنجزالأممي الموازي قديماً وحديثاً ومعاصراً. والتاريخ مفردة فضفاضة، يقرره ابن خلدون بقوله (التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه تحقيق ونظر)، وأنا لم أفعل غير ذلك. وإذا ما أردنا تحقيق مشاركة فاعلة في الضميرالحضاري الإنساني، فعلينا أولاً التحلي بروح المكاشفة، ونقد ما بين أيدنا وفق آلية تعتمد التصالح مع الفكرة أياً كانت. لقد تأخرنا كثيراً نتيجة اقتناعنا بفكرة تقديسنا لبعض ما قدمه بعض الأسلاف. فمتى سنتحول بقناعة إلى أمة عمل وإنتاج ومنجزات إنسانية عظيمة، كعظمة تأثير ديننا على العالمين؟