من المصطلحات الشائعة قديما في منطقة عسير لفظة 'وطن' التي تطلق على تجمع متوسط من المنازل قد يصل إلى 30 بيتا أو أكثر متلاصقة جدا ولها معابر وأزقة داخلية ضيقة، وغالبا ما تكون في حضن أحد الجبال أو فوق
من المصطلحات الشائعة قديما في منطقة عسير لفظة وطن التي تطلق على تجمع متوسط من المنازل قد يصل إلى 30 بيتا أو أكثر متلاصقة جدا ولها معابر وأزقة داخلية ضيقة، وغالبا ما تكون في حضن أحد الجبال أو فوق سفح يطل على مزارع تعود ملكيتها لأصحاب تلك المنازل. وبالتالي فهي مكان التجمع الآمن لأهل القرية. وبالطبع فاللفظة لا تختلف كثيرا في معناها عن المعنى المعروف لـالوطن الأكبر، و هو مكان الاستقرار والشعور بالأمان. ولو أسقطنا بعض معاني كلمة الوطن مثل الاستقرار والأمن على الحالة الثقافية المحلية، لوجدنا أن هذه الساحة تحتاج إلى وطن تستقر فيه وتشعر فيه بالأمان من الدخلاء وأصحاب المصالح والوجاهة الاجتماعية الذين أصبحوا أصحاب اليد الطولى في الأندية الأدبية مثلا، وهي مؤسسات لا يفترض فيها احتضان سوى المواهب الأدبية وذوي الحضور الفعال في الساحة الثقافية. لكن الغزو الذي شهدته هذه المؤسسات وما ستشهده خلال الأيام القليلة المقبلة، جعل الأديب والمثقف لا يشعر بالأمان في (ناديه/ وطنه) فهجر المكان خوفا من غدر الزمن، في انتظار سد الثغرات التي نفذ منها هؤلاء الدخلاء الذين عشقوا غفوات الكراسي في أماكن أخرى، ولم يبق لهم سوى تجربة النوم على كراسي الأدب. فالخوف من وجود هؤلاء ليس لأنه لا نسب لهم مع الثقافة والأدب فقط، بل الخوف الأكبر أن يفرضوا عليها نوما أبديا وجرها إلى الخلف عدة قرون، في الوقت الذي يحاول المخلصون إيقاظها من غفوات سنوية من خلال تجديد الدماء بالانتخاب.
المفاجأة غير السارة هنا أن هذه الممارسة العصرية الانتخاب حولت بأيدي دعاتها والقائمين عليها، إلى وسيلة للتسلل إلى وطن الأدباء الصغير، فزاد المهاجرون منه، الهاربون إلى أوطان النت المتعددة، وأصبحت الريح تصفر في جنباته. أما (أوطان/ جمعيات) الفنانين التشكيليين والفوتوجرافيين والمسرحيين والخطاطين، فهي أسوأ حالا لأنها تجاوزت مرحلة الاحتضار، ولم يبق إلا الصلاة عليها ودفنها في ليلة يغيب عنها القمر.
وبهذا يمر يوم الوطن وثقافة الوطن تبحث عن حضن جبل أو سفحه لعلها تبني بيوتا جديدة متماسكة الجدران محروسة الأركان حتى تضمن عدم تعرضها لغزو جديد.