أمام الأزمة الاقتصادية والانخفاض الحاد في شعبيته، رأى أوباما أن يوظف خطابه السنوي أمام الأمم المتحدة لافتتاح حملته الانتخابية وإقناع أنصار إسرائيل بدعمه
أكتب هذا الأسبوع من نيويورك، مدينة عشت فيها موظفاً دولياً نحو عشرين عاماً، طوال فترة الثمانينات والتسعينات، وأستمتع كل مرة بالعودة إليها.
وأخص بالحديث كلمة الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الأربعاء الماضي (21 سبتمبر)، في اليوم الأول لمداولاتها. وفي كل عام تقريباً، يعتبر خطاب الرئيس الأميركي حدثاً مهماً لدى الأمم المتحدة.
وإذا كان المواطن النيويوركي العادي يتذمر من الزحام المروري طوال فترة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنه في يوم خطاب الرئيس يقاطع هذه المنطقة تماماً بسبب القيود على الحركة المرورية وإغلاق الشوارع. أما موظفو الأمم المتحدة، وأعضاء الوفود، فإنهم يعانون من التواجد الأمني في كل مكان – قناصة على أسطح البنايات، عربات مصفحة وأسلحة متوسطة وثقيلة في كل مكان، وتعج أروقة الأمم المتحدة بالحرس من جميع الأنواع. ولذلك تشجع المنظمة موظفيها غيرالأساسيين على أخذ إجازة هذا اليوم تخفيفاً للزحام.
وعلى الرغم من ذلك، ومن خلافات دول كثيرة مع الولايات المتحدة، تحرص جميع الدول تقريباً على التواجد في قاعة الجمعية العامة، بأعلى تمثيل ممكن ، لكي يسمعوا الخطاب مباشرة، ولكي يَروا ويُروا، على الرغم من أن الخطابات أصبحت تُذاع مباشرة في محطات التلفزيون، وعلى الإنترنت، والهواتف الجوالة.
وكان الرئيس قد دعا في خطابه العام الماضي أمام الأمم المتحدة إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة خلال عام واحد. ولم يتحقق ذلك طبعاً، ولكن أوباما لم يقر بأي مسؤولية أميركية لفشل ذلك المسعى، بل قال إنه محبط كغيره من هذا الفشل! وألقى باللائمة على الجانبين، أي الفلسطينيين والإسرائيليين، على الرغم من أن الجميع يعلمون (ربما باستثناء إسرائيل) أن سبب فشل المفاوضات هو تشدد إسرائيل، ودعم الولايات المتحدة لمواقف إسرائيل.
ومع أن الرئيس أعاد تأكيد إيمانه بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، إلا أنه ربطه بموافقة إسرائيل، إذ كرر مراتٍ أن الحل يأتي باتفاق الجانبين، وكأنه لا دورلأي قوة خارجية، أوللأمم المتحدة في هذا الأمر، مع أن الولايات المتحدة تدعم التدخل الخارجي في كل مكان في العالم تقريباً، سياسياً وديبلوماسياً، وعسكرياً إذا لزم الأمر. وتدفع داخل هيئة الأمم المتحدة باستمرار نحو اتخاذ قرارات حازمة، مدعومة بالقوة إن لزم الأمر، لتحقيق ذلك. ... في العراق، وأفغانستان، وإيران، وليبيا، وسوريا.
أما في فلسطين، فلا يرى الرئيس دوراً للعالم الخارجي، على الرغم من تعثر الحل لمدة 68 عاماً على الأقل، أي منذ صدور قرار الجمعية العامة بتأسيس دولة فلسطين في نوفمبر 1947، جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل.
وفي حين اكتفى الرئيس بكلمات قليلة تدعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، خصص أجزاءً كبيرة من الكلمة لدعم مواقف إسرائيل، وقال إن التزام أميركا بأمن إسرائيل لا يتزعزع، وأتى على ذكرالنقاط التالية، التي وصفها بأنها حقائق لايمكن إنكارها:
- إن إسرائيل محاطة بجيران شنوا الحرب عليها عدة مرات.
- إن أطفال إسرائيل يعيشون في خوف دائم، لأن المواطنين الإسرائيليين يسقطون ضحايا للصواريخ التي تُطلق على منازلهم، وللهجمات الانتحارية على الباصات التي تقلهم.
- إن إسرائيل، البلد الصغير، مهدد من قبل دول كبرى في المنطقة بإزالتها من الخريطة.
- إن أي حل سلمي للأزمة يجب أن يعترف بالتحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل كل يوم.
- إن الإسرائيليين يعيشون في وطنهم التاريخي، وإن أصدقاء الفلسطينيين يجب ألا يتجاهلوا هذه الحقيقة. وأنهم ضحية قرون من الاضطهاد وحملات الإبادة.
ورحب رئيس وزراء إسرائيل، الموجود في نيويورك، بخطاب أوباما، وقال إنه يستحق وسام الشرف لدعمه إسرائيل، وتحديه الأغلبية التلقائية المناصرة للفلسطينيين في الأمم المتحدة، حسب زعمه. وأشادت الصحف الأميركية المؤيدة لإسرائيل بالخطاب.
فماذا حدث للرئيس أوباما؟ أين ذهبت مبادراته لتعزيز العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي؟ أين ذهبت حماسته لحق الشعوب في تقرير مصيرها، ودفعه للأمم المتحدة في كل مناسبة للتحرك عملياً لدعم هذا الحق؟
لا أحد يعرف بالتأكيد، لكن أغلبية الآراء تربط التغير الجذري في موقفه من القضية الفلسطينية بالانتخابات الأميركية القادمة. صحيح أن الانتخابات ستجري في نوفمبر 2012، لكن الموسم الانتخابي قد بدأ بالفعل. وحظوظ أوباما في تلك الانتخابات ليست كبيرة حسب استطلاعات الرأي العام، فقد انخفضت شعبيته إلى أدنى مستوى لها منذ انتخابه في نوفمبر 2008. حتى بين الأميركيين السود، الذين دعموه بالإجماع تقريباً إلى وقت قريب، انخفضت شعبيته إلى 58%، حسب استطلاع مشترك قامت به صحيفة الواشنطن بوست وقناة ABC التلفزيونية، ونشرت نتائجه يوم إلقاء الرئيس خطابه أمام الأمم المتحدة.
والسبب الرئيس لانخفاض شعبية الرئيس هو الاقتصاد. فكما كتبتُ على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أصبح من شبه المؤكد أن الاقتصاد الأميركي سيعاني من نكسة خلال الأشهر القادمة، وبالطبع أصابت هذه التوقعات المواطنين بالهلع، وألقوا باللائمة على الرئيس الذي أنفق أكثر من أي رئيس مضى على خططه الإنعاشية، وأثقل أميركا بديون غير مسبوقة في ضخامتها، لكن دون نجاح يستطيع المواطن أن يراه في حياته اليومية.
وأمام هذا المأزق، ربما رأى الرئيس، أنه يحتاج إلى أن يجدد علاقاته بقيادات الحزب الديموقراطي، المؤيدة لإسرائيل تأييداً أعمى. وكان خطابه أمام الأمم المتحدة فرصة له لبدء حملته الانتخابية وإقناع أنصار إسرائيل بدعمه في الانتخابات القادمة.