عندما يأتي الحديث عن التراث والموروث الخاص بكل مجتمع، تجد الكثير من الطروحات حول أهمية الحفاظ على ما خلفه الأجداد من معالم حضارية مادية أو موروث قيمي سواء كان كتابياً أو شفهياً
عندما يأتي الحديث عن التراث والموروث الخاص بكل مجتمع، تجد الكثير من الطروحات حول أهمية الحفاظ على ما خلفه الأجداد من معالم حضارية مادية أو موروث قيمي سواء كان كتابياً أو شفهياً ، من مبدأ تذكر أمجاد هؤلاء الأجداد وإثبات الأصالة والعراقة الحضارية . وهذا الطرح في مجمله صحيح، ولكن لا نسمع ولا نقرأ ـ إلا نادراً جداً ـ عن دور الخصوصية التراثية للمكان الصغيرـ الجزء من الوطن الكبير ـ في تأصيل الوحدة الوطنية ضمن الإطار الأشمل . فللأسف إن ما يؤمن به الكثير من عامة الناس وربما خاصتهم أن تذويب الثقافات الشعبية المحدودة بأقاليم أو مناطق معينة في منظومة واحدة لتكوين ثقافة واحدة جديدة ، هو الهدف النهائي لتكوين وطن أو كيان سياسي واحد . والواقع الاستقصائي عبر التاريخ يؤكد عكس ذلك ، فمهما يكن تحول الفرد من منظومة ثقافية صغيرة إلى كيان ثقافي أكبر ليصبح جزءاً لا يتجزأ منه ، سيبقى منتمياً لمكانه الصغير محباً لثقافة وعادات مجتمعه الذي تربى فيه ، وعندما يشعر أن هناك من يريد طمس هذه (الثقافة/ الهوية) البسيطة لصالح أخرى ، سيبدأ في التذمر ولو بشكل خفي ، وهو طبع إنساني يحدث في جميع المجتمعات البشرية . والعكس صحيح هنا، فتقدير الخصوصية الثقافية والتقاليد الخاصة والموروث القيمي والثقافي لأي مجتمع ـ حتى وإن كان صغيراً وجزءاً من كل ـ سيزيد الثقة بين جميع فئات المجتمع ويعزز اللحمة من أجل الكيان الأكبر. فمن المعروف علمياً أن كل وحدة عامة لا تتكون إلا من خلال جزئيات متراصة حتى وإن اختلفت في الأحجام والصفات الدقيقة. وفي هذا الإطار وبعد تحول مسوؤلية الحفاظ على الموروث المادي خصوصاً إلى الأجهزة المختصة بالسياحة والآثار في معظم دول العالم ، ومنها المملكة التي أوكلت هذا إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار، يبرز الاهتمام بالخصوصيات التراثية وأثر المكان، كأحد أهم مظاهر الاهتمام بالتميز والخصوصية الحضارية والثقافية لأي مكان يندرج سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تحت كيان واحد هو (الوطن). وللحق فإن الهيئة منذ بدأت نشاطها الفعلي تولي هذا الجانب أهمية كبيرة ، وعلى سبيل المثال مشروعها للمدن التراثية التي تغطي معظم مناطق المملكة ، وحرصها على أن يبقى الطابع التقليدي للعمارة في أفضل صورة ممكنة بعد ترميمه وجذب السياح له . كذلك جميع المهتمين ينتظرون الملتقى الأول للتراث العمراني الوطني الذي سيقام منتصف الشهر المقبل في جدة ، حيث ستحضر فيه معظم الطرز العمرانية التقليدية في المملكة، من خلال أوراق علمية ومعارض، تبرز الخصوصية المكانية والثقافية لكل منطقة ، وفي الوقت نفسه تصهر الجميع في إطار الوطن الكبير .