في مدينتي، ومنذ سنوات عديدة يقتصر الفرح بالعيد على ألعاب نارية لمدة عشرين دقيقة في حفل ليلي، يعقب ذلك عذاب انتظار وزحمة سير إلى ساعات الفجر، وما إن تصل إلى البيت إلا وتعلن عن توبة صادقة من تكرار مثل
في مدينتي، ومنذ سنوات عديدة يقتصر الفرح بالعيد على ألعاب نارية لمدة عشرين دقيقة في حفل ليلي، يعقب ذلك عذاب انتظار وزحمة سير إلى ساعات الفجر، وما إن تصل إلى البيت إلا وتعلن عن توبة صادقة من تكرار مثل هذه التجربة، وتحرم على نفسك وأطفالك مثل هكذا حضور، ظاهره الفرح، وباطنه العذاب والضيق.
في ثاني أيام العيد تبحث عن خيارات أخرى يمكن أن تنسيك عذاب البارحة، فلن تجد خيارا أفضل من مطعم تستفزك داخله لحظات الانتظار مرة أخرى، ثم أكل لا طعم له، تتذوقه وأنت تستذكر عناوين الصحف في مثل هذه المناسبات وهي تعايدك بخبر عنوانه الرئيس تسمم أكثر من عشرين أسرة بعد تناول وجبة عشاء في أحد المطاعم المشهورة والبلدية تغلق المطعم.
في اليوم الثالث، تبحث عن خيار يعوض ما مضى فلن تجد، ولتكتشف أن العيد هو تلك العشرين دقيقة المخصصة للألعاب النارية ونصف الساعة الخاصة بالمطعم، عندها تقرر والأسرة النوم كبقية الناس وتؤجل الفرح بالعيد إلى أن تنضج أفكار ورؤى الأمانات والبلديات.
هذا هو الرأي السائد عند عدد ليس بقليل من المواطنين حول سبب عدم احتفالهم وأسرهم بالعيد والترفيه عن أنفسهم بعد أيام طويلة من العمل والدراسة، وهو التبرير السائد لتهمة بقاء الكبار والصغار، رجالا ونساء، في فرش النوم حتى عصر يوم العيد أو بعده بقليل.
الكل يلقي باللائمة على الأمانات والبلديات التي لا تجيد ـ حتى اللحظة ـ إعداد برامج ترفيهية جاذبة، رغم كثرة المواقع الجميلة التي يمكن توظيفها واستثمارها في الأعياد والمناسبات.
هذه الحال لا ينبغي الاستسلام لها والاحتجاج عليها بالنوم صباح العيد، ولا ينبغي حرمان أطفالنا من فرحة العيد تحت مبرر غياب أماكن الفرح والتسلية والترفيه، أو لخلوها مما يستحق المشاهدة والسماع والبقاء.
فصلاة العيد فيها ما يشعر بالعيد، وما يشعر بالعديد من القيم والمعاني الدينية. وفي ظني أن أداء الصلاة ومن ثم معايدة الجيران والأصدقاء والاحتفاء معهم بالمناسبة على وجبة إفطار أو غداء، والأمر ذاته مع الزوجة والأبناء والأقارب في منزل كبير الأسرة، فيه شيء مما يضفي إحساسا بالعيد، لكن قضاء صباح العيد في الفراش أمر ليس فيه ظلم للنائم فقط، بل فيه ظلم للزوجة والأبناء، وبالأخص الأطفال منهم، الذين ينبغي ألا نحرمهم من التمتع بالعيد والإحساس بأن أيامه بخلاف بقية الأيام. ويمكن لكل أسرة أن تصمم برنامج احتفال بالعيد خاصا بها، فالعيد ليس تلك الألعاب النارية التي يمنون علينا بها، والعيد ليس تلك التهاني عبر لوحات الإعلانات في الشوارع، والعيد ليس أغنية (من العايدين) في قنواتنا.
بإمكاننا أن نصنع الفرح في بيوتنا وفي حاراتنا وفي الشواطيء والاستراحات، كل وفق ظروفه وإمكاناته، لكن نوم البعض في أعيادنا والسهر إلى الفجر في أعياد غيرنا تناقض لا يمكن قبوله، فالتقصير وارد، والقصور واقع، لكننا وسط فواجع هذه الدنيا واضطراباتها ومشاكلها وضجيجها نحتاج فسحة من الراحة من كل شيء لنفرح ولو قليلا.
وحتى لا يفاجئكم العيد، كما هو حالنا مع كل المناسبات، يمكنكم من الآن التخطيط للعيد لتعيشوا أياما من الفرح. وكل عام وأنتم بخير.