بعض الجهات ليس لديها فكرة واضحة عن تكاليف مشترياتها ومشروعاتها، وليس لديها معرفة بالأسعار السائدة، لذا فليس من المستغرب أن ترسّى المناقصة على صاحب عطاء منخفض يقل عن التكلفة الحقيقية للمشروع مما يؤدي ذلك إلى تعثر المشروع
كثير من الجهات الحكومية تُرجع سبب تدني أداء تنفيذ عقودها ومشترياتها إلى الأخذ بالعطاء الأقل سعراً، وقد صرّح أحد أعضاء مجلس الشورى في الوسائل الإعلامية حول هذا الموضوع بقوله: إن نظام المشتريات الحكومي هو أحد أهم عوامل انتشار الفساد؛ لأنه ينص على أخذ السعر الأقل، الذي قد لا يكون مناسباً للشركات الجيدة لتنفيذ المشاريع، فيأتي رجل أعمال فاسد يعرف الأمور جيداً فيقدم أقل سعر، وبعد أن يتسلم الدفعة الأولى لا تراه مرة أخرى.
هذا الكلام قد لا يكون صحيحاً على وجه من الوجوه، و مشكلة العقود الحكومية ليست بهذه البساطة، وما يعتقده البعض بأن المشكلة الرئيسية تتمثل في قلة الأسعار غير دقيق، لأن الهدف من المنافسة أو المناقصة هو ضمان العدالة بين المتنافسين والحصول على أفضل الأسعار وليس أقلها.
ولفهم الموضوع بدقة أكثر، أجد من الضروري في البداية توضيح وجهات النظر بشمولية أكثر، فبعض علماء الإدارة يرون أن صعوبة المشتريات الحكومية تتمثل في اتباع الجهات الحكومية سياسات تفصيلية تصف بطريقة مطولة ومتعبة ما ترغبه الجهة الحكومية في شرائه، وبالتالي يجب على الجهة أن تقبل بأقل الأسعار المعروضة، وإن جاء العرض من شركة أقل كفاءة من شركة أخرى ذات سعر أعلى.
فعلى سبيل المثال، لا تستطيع أي جهة حكومية ترغب في شراء حاسب آلي أن تتبع نفس الخطوات التي تتبعها الشركات التجارية في القطاع الخاص من أجل شراء جهاز بنفس المواصفات، وذلك بسبب أن الشركات تناقش الموردين في عملية الشراء، وتسعى للحصول على مساعدة منهم من أجل الحصول على الأجهزة المناسبة، وليس هذا فحسب بل تشتري تلك الشركات ما تحتاج إليه من شركة يعرفونها ويثقون فيها دون الحاجة إلى وصف الأجهزة التي يرغبون في شرائها، وفي بعض الأحيان قد تدفع الشركة التجارية سعراً أعلى من أجل الحصول على صيغة مناسبة تشمل نوعية المنتج وخدمة ما بعد البيع.
هذا ما يحصل في الشركات التجارية في القطاع الخاص، لذا يرى علماء الإدارة أن هذه الأساليب هي التي أدت إلى كفاءة المشتريات في القطاع الخاص، بينما لا يتم اتباع هذه الإجراءات في الجهات الحكومية، وفي حين تم اتباعها لربما أُتهم ممثل الجهة الحكومية الراغبة في الشراء بالتواطؤ والواسطة والظلم والفساد، والتآمر في صفقات الشراء، لذا من ضروب المستحيل أن تقوم الجهات الحكومية بمثل ما تقوم به الشركات التجارية، بل يجب أن تقوم هذه الجهات بأسلوب المنافسات والمناقصات، وأن تتم الترسية على من يقدم أقل سعر، وبالتالي ليس من المستغرب أن تحصل الجهات الحكومية على أجهزة حاسب آلي ذات كفاءة متدنية.
وبالرغم من معقولية ومنطقية الرأي السابق، إلا أن هناك آراء تخالف ما توصل إليه بعض علماء الإدارة، حيث توصل البعض إلى أن المشكلة ليست في الأنظمة والقوانين، بل أن المشكلة الأساسية هي مشكلة التطبيق، وإقناع المسؤولين في الجهات الحكومية بشراء المواد بطريقة أكثر تبسيطاً.
وفي المملكة أعتقد أن مشكلة المشتريات الحكومية هي في الأساس مشكلة التطبيق وليست مشكلة النظام، فكما ذكرت آنفاً أن المنافسة هي أفضل طريقة لضمان العدالة بين الشركات المتقدمة للعطاءات، ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية في المملكة وضع شروطاً لتحقيق هذا الهدف بالتحديد، ومنها أن تكون لدى الجهة الحكومية فكرة دقيقة جداً عن تكلفة المشروع، وأن تكون الأسعار عادلة، ولا يتم استبعاد أي عرض بحجة تدني أسعاره إلا إذا قل بنسبة (35%) فأكثر عن تقديرات الجهة والأسعار السائدة.
وهذه الشروط في اعتقادي كفيلة في رفع مستوى أداء المشتريات الحكومية، ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود محاسبة تكاليف ومعايير فنية وآليات وسياسات واضحة لتحقيق الشروط السابقة في بعض الجهات الحكومية وبالتالي وقعت في فخ أقل الأسعار.
فبعض الجهات ليس لديها فكرة واضحة عن تكاليف مشترياتها ومشروعاتها، وليس لديها معرفة بالأسعار السائدة ، كما لا تستطيع أن تفرّق بين عطاءات المتنافسين في حدود الأسعار المحدودة والمقبولة، لذا فليس من المستغرب أن تُرسى المناقصة على صاحب عطاء منخفض يقل عن التكلفة الحقيقية للمشروع مما يؤدي ذلك إلى تعثر المشروع أو سوء تنفيذه.
والجدير بالذكر أيضاً أن النظام احتوى على عقوبات بحق الشركات المخالفة لشروط وبنود العقود، تصل أحياناً إلى تنفيذ الشراء أو إكمال المشروع على حساب الشركة وعن طريق شركة أخرى، وإيقاف التعامل معها ووضعها في القائمة السوداء ، ومع ذلك فإن بعض الجهات الحكومية لا تطبق هذه العقوبات.
إذن المشكلة لدينا هي مشكلة تطبيق، وليست مشكلة نظام كما يعتقد البعض، صحيح أن الأنظمة والقوانين قد تمثل قيوداً على الجهات الحكومية بسبب طبيعة هذه الجهات وطبيعة الخدمة الحكومية وانعدام حافز الربح والسوق التنافسية، كما أن للقوانين إيجابيات وسلبيات، لكن لا يكون ذلك مبرراً رئيسياً لإخفاقات البعض وشماعة لسوء الإدارة، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يلوم هذه الجهات !.
لا أعلم بالتحديد كيف ستواجه الأجهزة الرقابية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد هذه الإشكالية وهي إشكالية التطبيق ؟! ولكن يمكن القول إن الأمر يتطلب مراجعة الإجراءات والآليات المتبعة لعملية تنفيذ المشاريع والمشتريات الحكومية في مراحلها الرئيسية الثلاث (ما قبل الترسية، والتنفيذ، والتشغيل التجريبي بعد التنفيذ) وذلك لرفع الكفاءة الاقتصادية، وضمان فاعلية التنفيذ.
ويمكن تطبيق هذه المراجعة من خلال اختيار عينة من الوزارات والجهات الحكومية، ومن ثم يتم تطبيق هذه المراجعة على باقي فروع الوزارات في مناطق المملكة المختلفة، وفي اعتقادي لو تم تنفيذ هذه المهمة فمن شأنها أن تحسّن الأداء الحكومي، أو على الأقل يمكن التعرّف على مكامن الخلل في تطبيق نظام المنافسات والمشتريات الحكومية.