الحياة معقدة ومليئة بالصعوبات والمنغصات، لكن القليل فقط هم الذين يفتحون نوافذ للأمل والفرح في أفئدتنا وصدورنا. يمتلكون روحا متألقة رغم كل ما يعانون من ألم وفقد

كايل ويلز (22 عاما) شاب بلا ساقين، ولا قدمين. يسير بأصابعه عبر كرسيه الآلي المتحرك. تقوده ثلاثة أصابع فقط إلى أي مكان في مانشستر ببريطانيا. إلى الكلية، وإلى عمله في مركز ترافورد التجاري، وإلى صديقه الهندي أنيس سيد في مجمع لاوري التجاري. جال بريطانيا كلها بأصابعه الثلاثة النحيلة الصغيرة دون مساعدة أحد، أي أحد، حتى والده. يحرص كايل على متابعة فريقه المفضل (مانشستر يونايتد) عبر مشاهدة مبارياته في ملعب (أولد ترافورد). يرى أن التلفزيون لا يمنحه الأجواء الحقيقية والممتعة. يدرك أن التشجيع من وراء الشاشة لا يغني ولا يسمن من جوع. يقول: كيف سيسمعني المهاجم هيرنانديز عندما أهتف له وأنا خلف الشاشة؟. كايل الذي يدرس الإخراج السينمائي يعشق الاحتفالات والمناسبات والمباريات. لا يفوت أي مناسبة كبيرة كانت أو صغيرة في مانشستر دون أن يحضرها مرتديا قبعته الزرقاء الداكنة وابتسامته الطفيفة. يرى أن الاحتكاك مع الناس ومراقبة نبضهم أعظم إلهام للقيام بعمل إبداعي. أكثر ما يحزن كايل هو الجلوس في المنزل ومشاهدة التلفزيون. يعتقد أن المنازل سجون ترتدي أقنعة، وهو لم يرتكب أي جريمة ليمكث فيها ولو لماما. لا يذهب إلى منزله إلا للنوم أو للالتقاء بأطفال أخته القريبين من قلبه. كايل يأكل ويذاكر ويقرأ ويسترخي في الطرقات والمجمعات التجارية. يخشى أن يهدر أي دقيقة دون أن يستمتع بها ومعها. سعادة ويلز تكمن في الاستكشاف والتعرف على أشياء جديدة. أجمل ما كتب كايل، من النصوص السينمائية، التي قدمها لجامعته كانت خلال حضوره مهرجانات أو فعاليات عامة. أجمل الأفلام التي نفذها استوحاها من مشهد في حديقة أو في كرنفال. يؤمن أن الإزعاج الحقيقي هو الصمت. وأكثر ما يزعجه ثرثرة الصمت. التقيت كايل كثيرا في الترام (المترو) وفي مجمع لاوري والجامعة، وفي كل مرة أحاول أن أتقدم فيها نحوه أتراجع. يقمعني ترددي. في الأسبوع الماضي فقط وحينما هممت بالتقدم تجاهه وقبل أن يغشاني الهلع ناداني بأصابعه. تعثرت وأنا أتجه نحوه، لكن انتشلني بابتسامته. تحدثت معه ومع صديقه أنس طويلا جدا. وأكلت وصورت معهما. حزنت جدا على حالي وحال من هم مثلي، ممن يتذمرون ويحزنون بسبب خسارتهم لمحاولة أو تعثرهم في مشروع، في حين أن كايل الذي لا يملك سوى ثلاثة أصابع يتحلى بهذا القدر الكبير من الإصرار والحماسة والطموح. يعمل ويدرس ويتنزه ويخرج متسلحا بإرادته وابتسامته. أسرتني طريقته في تحويل كل الأتراح إلى أفراح. عندما سألته عن أمه، أجاب أنها توفيت، وحينما تأسفت وعبرت له عن حزني واعتذرت عن سؤالي، رد عليّ وابتسامة كبيرة تعلو ملامحه: أنا محظوظ جدا. لقد توفيت وأنا في الثالثة من عمري. ربما لو توفيت حديثا لما شُفيت من ألم فراقها حتى الآن.
إن الحياة معقدة ومليئة بالصعوبات والمنغصات، لكن القليل فقط هم الذين يفتحون نوافذ للأمل والفرح في أفئدتنا وصدورنا. يمتلكون روحا متألقة رغم كل ما يعانون من ألم وفقد.
لا يوجد ألم أكثر من أن يفقد الإنسان جزءًا من جسده أو عائلته. لكن لا يحرم الله أحدا. يعوض كل المحرومين بأشياء لا ترى، لكنها تضيء. تمدهم بطاقة لا تنضب. وتجعلهم أكثر صلابة ورباطة جأش وقدرة على المواجهة والفوز. يمتلكون جلودا سميكة تمنعهم من الإحباط. يرتطمون بعراقيل، لكن لا يشعرون بها. يتابعون وينتصرون، بينما البقية يتعثرون ويتوقفون. المقاتل الفذ ليس الذي لا يتعرض لجروح وإصابات، وإنما الذي يصمد في وجه الألم والضربات. إن أهم انتصاراتنا بدأت بمعاناة وانتهت بتتويج. إن الشمس قبل أن تشرق تغيب كثيرا، وقبل أن تصعد الطائرة عاليا، تحبو طويلا. وقبل أن ينطلق المتسابق ينحني قليلا. وقبل أن نفرح نتألم شديدا.
صمد كايل أمام عاصفة الألم بثلاثة أصابع فقط. حقق الكثير ويؤمن أنه سيحرز أكثر.
إن النجاح لا يحتاح إلى أقدام، بل إلى إقدام.