نحن من بعث رسول قريتنا إلى – زبيد – ليشتري لنا مصحفاً وكتاباً لخطبة، نحن من حج على الأقدام وكان الحاج منا يحمل كفنه في إبطه، نحن من ينظف الزكاة حتى بصفحة بر زائدة فوق نصابها لنتقي الشبهة
الأولى: استيقظت في سن العاشرة على دخول الإرسال التلفزيوني فضاء القرية المقفلة، ربما لآلاف السنين. ولضعف الإرسال، كنا نسرق الصورة من بين ما يشبه حركة نمل هائلة على شاشة بمجرد لونين. كان التلفزيون أول حركة انشقاق فكري في تاريخ القرية. كان أول مؤشر على التعددية الفكرية لقرية آمنت منذ خلقها الأول بالفريق الواحد، بالصوت الواحد والرؤية الواحدة. وغالباً ما تبدأ الأقلية حركة التنوير وعلى الدوام تعتمد هذه الأقلية على القبول الضمني لحركة التحديث من الأغلبية الصامتة. ظل محمد بن سعيد على الدوام صوت الحداثة الذي غير نواميس القرية. أول من جلب السيارة والطاحون وماطور الكهرباء. كان لوحده تهمة كاملة وهو يدخل التلفاز إلى بيته في جوف ليل مظلم ولكن: هيهات له أن يخفي هذا الانحلال في تراتيل قرية لا وظيفة للآذان فيها إلا أن تسرق السمع. كان (أبو عبدالله) رأس الحرس القديم الذي ظل لأشهر يرصد أسماء الداخلين إلى صالون الحداثة. ظل واجماً فيما القرية – تتصرّم – من بين يديه. أصيب بالذهول عندما اكتشف بعض أطفاله يسرقون مقدمة المساء في منزل رائد الحداثة. اكتشف أنه، ولوحده، بات يمثل تاريخاً منقرضاً فكان أبو عبدالله آخر فكرة شمولية عرفتها هذه القرية. وأخيراً، قيل إنه أحضر الجهاز لبيته ولكن في جناح بقايا ليل حالك السواد تماماً بنفس الطريقة التي حضر فيها الجهاز الأول في تاريخ القرية. هكذا تتشابه الفرق دوماً في البدايات. كان التلفزيون يومها مجرد شريط للتراتيل والأفلام والمسرحيات والمسلسلات. لا مكان فيه لنشرة الأخبار ولم يكن مثل اليوم مجرد عداد لضحايا الحروب والقتل. ومنه تعلمت الصبايا كيف يضعن طريقة جديدة للكحل الحجري في قرية بلا سطر واحد من تاريخ للمساحيق والعطر. تعلمن منه بعض – الغنج – البريء من حركات وضحى وسميرة توفيق حين كانت الأخيرة – كحلاً – على عيون (شيبان) القرية. وحين كانت تنتهي تماماً من وصلتها الليلية المكررة، كانت عيونهم إليها تعاند حتى أي رمشة عابرة وحين تنتهي العيون من هضم كل التفاصيل وتنتهي الوصلة الغنائية الساحرة كان أباطرة الفريق القروي القديم يرددون: ابعدونا منها. ولكن بعد أن تغادر الشاشة. ظلت هذه المقاربات تزعج النساء مثلما تململ مآقي الرجال الذين عرفوا، وللمرة الأولى، أن بالدنيا نساء لا يشبهن أحجار القرية الجافة المتخشبة. هكذا هي أبرز مثالب التنوير: إنها تجبرك على اختبار قناعاتك الحجرية مثلما تكشف لك أن في الحياة ألف صورة خارج السائد المألوف.
الثانية: نهضت في الخامسة عشرة من العمر على أول ندوة في تاريخ القرية. ومنذ ألف وأربعمئة عام لم يظهر في هذه القرية سؤال واحد يستحق الفتوى مثلما لم تطرأ في حياتهم نازلة جديدة تستحق إجابة من فقه النوازل. ولأيام ثلاثة ظل الشيخ يرصد كل هذا السلوك القروي المتكرر في طبعة مستنسخة لكل يوم، ربما، منذ ألف عام خلت. وبعد كل هذه (القروء) كشف لهم فضيلة الشيخ من بعد ألف ميل حجم الذنوب والرزايا ومقدار الخطيئة المكررة في طبعة مستنسخة لكل يوم منذ ألف عام خلت. وحين لانت له القلوب واستسلمت له المآقي وجاشت له العاطفة في نهاية خطبة عصماء تجرأ الشيخ ليدعوهم صراحة إلى (دخول الدين). كانت كلمة هائلة مجلجلة أيقظت ذلك العملاق الجالس مباشرة تحت منبر الشيخ: نحن لم نترك أذاناً واحداً من على هذا المنبر. ونحن نحضر للصلاة وكأننا نتفقد بعضنا في الصف مثل مجاهدين في غزوة. نحن من بعث رسول قريتنا إلى – زبيد – ليشتري لنا مصحفاً وكتاباً لخطبة الجمعة. نحن من ينظف الزكاة حتى بصفحة بر زائدة فوق نصابها لنتقي الشبهة. نحن من حج على الأقدام وكان الحاج منا يحمل كفنه في إبطه ليعطيه ـ إن عاد حياً ـ إلى حاج جديد من القرية في العام القادم. نحن من قضى صيام يوم من رمضان بعد أربعين سنة لأننا لم نعرف بدخول رمضان إلا بعد الظهر ثم عرفنا بعدها أن قضاءه واجب حتى ولو على الموتى بعد نصف قرن. نحن من ترك مال – مضواح – وقفاً لمساجد القبيلة حين مات – كلالة – بلا وريث. نحن من حمى – معجبة – الحمالية لثلاثين عاماً لأنها الغريبة ابنة الكرام التي ساقتها الأقدار والظروف إلى ديار بني عمومتها فلم يجرؤ أحد على خدشها بحرف من كلمة. نحن من أعتق – سالم – لوجه الله قبل أي قرار ونحن من أعطاه الزرع والحصن كواحد من وجهاء القرية.
نحن أول شرف ومروءة لم تسجل في تاريخها حالة خطأ أو شذوذ حين كان الرجل – يزبن – بالمرأة لأهلها خلف الجبال البعيدة وهي رادفة خلفه على جواد أبيض.
نحن من يملأ فجر القرية الدامس بالشهادة وهي توقظ النائم كما الرعد، ونحن الذين نتناوب مصحفنا الشريف الذي اشتريناه من زبيد مثلما نتناوب – الخطة – لأغلى الضيوف. نحن من دفع خمسا من البقر لـ(أبو سجدة) كي يعلم الغلمان حفظ كتاب الله.. فضيلة الشيخ: أي دين تدعونا اليوم إليه. بعد شهرين، أفقنا على الذهول ونحن نكتشف ذات فضيلة الشيخ ركنا من فصيل الجهيمانية.