الخطاب الدعوي لم يتغير عبر السنين..الترهيب بالموت بدلا من محاولة زراعة حب الحياة، تلك الحياة التي تدور في فلك الله تعالى وتعمر هذه الأرض في آن واحد، فلم يخلقنا الله لنموت، بل لنعبده ونعمر الأرض
قد يبدو عنوان هذا المقال غريباً، ولعله يذكرنا بعناوين بعض الأشرطة الإسلامية الدعوية التي ذاع صيتها في الماضي، وأنا إذ أستخدم هذا العنوان لا أتعمد السخرية، بل أقوم بتلخيص وقائع حادثة بعينها شهدتها شخصياً خلال موسم حج هذا العام 1432.
تشاركت في غرفة المخيم مع مجموعة الشابات، حيث الغالبية منهن دون العشرين وأصغرهن في الرابعة عشرة، وقد علمت لاحقاً أن حملتنا، كبقية حملات الداخل، لديها داعيات متخصصات للنساء، ولديهن برنامج دعوي خاص للشابات تحديداً. وما سأسرده هنا هو وقائع إحدى الدروس الدينية الموجهة لهذه الفئة. وقبل أن أخوض في ذلك سأضيف أن جميع الفتيات الموجودات يدرسن في مدارس وجامعات خاصة، وعدد منهن يدرسن أيضاً في مدارس عالمية، وبالتالي كنت أتمنى لو راعى الخطاب الموجه لهن هذه الحقائق.
كان الليل قد انتصف حين اجتمع شمل الداعيات في غرفتنا، وبدأت الداعية الأولى الحديث، وهي متطوعة وليست هنا بصفة رسمية. فبدأت بدعاء شامل لله تعالى بأن يحرق البلاك بيري اللعين الذي تسبب في ضياع البنات، ثم انتقل الحديث للصلاة والحجاب وغطاء الوجه وما إلى ذلك بأسلوب فيه كثير من رفع الصوت ونهر كل من تحاول طرح سؤال أو مداخلة.
لكن برنامجنا الوعظي لم ينته عند هذا الحد، فبعد أن غادر الكبار فوجئت بأن الدرس سيكون عن تكفين الميت! اندهشت.. فبالأمس كان هناك درس عن الجنة، وكنت أظن أن دروس الموت هذه منعت من المدارس فإذا بنا نفاجأ بها هنا.. في الحج!
تم إخراج الكفن الجاهز من العلبة، وتعرفنا على الكافور وبقية الأدوات المستخدمة، لكن المصيبة العظمى حدثت عندما سألتنا إن كانت هناك من ستتطوع لتكفن ويكون لها أجر تعليمنا وتجربة استشعار الموت؟! وهنا قفزت إحدانا لتقول: أبلة الله يخليكي كفنيني!
شاهدنا شرحاً بالصوت والصورة لعملية التكفين، وبعد أن تم الانتهاء من العملية وتمت تغطية وجه زميلتنا وربط رأسها، بدأت أسمع أصوات النحيب والبكاء من قبل الحاضرات، وهو أمر شجعته أستاذتنا لأنه دليل على حياة القلب، وترافق ذلك مع ذكر العديد من القصص عن النهايات السيئة التي شهدتها الداعية أثناء عملها كمغسلة للموتى، ثم حين بدأ الكفن في الاهتزاز عرفنا بأن الفتاة الميتة - الحية قد أخذت تبكي أيضاً، هذا المنظر الأخير كان القشة التي قصمت ظهر البعير.. فقمت بصمت وغادرت المجلس.
وأخبرتني إحدى الحاجات التي سبق لها الحج مع ذات الحملة بأن هذا الدرس يتكرر كل عام والغرض منه الحجاب! فقد لوحظ بأن الكثير من الفتيات يتأثرن كثيراً بمشهد الموت فيخرجن من الحج عاقدات العزم على ألا ينزعن حجابهن أبداً.
وبعد ما ذكرت، أعتقد لا بد من فتح ملف الداعيات في الحج، فما شهدته ليس استثناء، فقد روت لي إحدى صديقاتي ما حصل معها أيضاً، فهل تحتاج الحاجات بمختلف أعمارهن إلى داعية من الأساس؟ لا ونعم.
لا.. فلأنني قد حججت سابقاً ولم يكن هناك داعية في حملتنا، ومكننا ذلك بأن نركز على الدعاء والصلاة وقراءة القرآن. في حين أنه في حجتي الأخيرة كنت لا أجد أحياناً مكاناً أصلي فيه الفريضة بهدوء.
ونعم.. فلأننا نحتاج إلى وجود عالمة بالشريعة تجيب على أسئلتنا بخصوص مناسك الحج ومحظورات الإحرام، فالعلم الشرعي كما لاحظت عند بعض النساء قليل. وسوى ذلك أعتقد أنه لا الحال ولا المقام مناسبان. الغريب أن محرمي الذي كان في قسم الرجال في المخيم لم يتعرض لما تعرضنا له، بل كانت لديهم أوقات للأناشيد، فهل المرأة وحدها من يجب إرعابها لتؤمن؟
وقد واجهت سؤالاً من زميلاتي آنذاك: لماذا خرجتِ؟ وكان جوابي: لم أخرج لأنني كنت خائفة بل لأنني كنت غاضبة..وكانت تلك حركة الاحتجاج الوحيدة التي أستطيع أن أعبر بها عن موقفي دون أن أجرح حجتي.
سبب غضبي؛ لأنني أدركت أن السنوات تمضي ولا يتغير في أسلوبنا الوعظي شيء، وهو الأسلوب الذي تسبب في نفور عدد لا يستهان به من أبناء جيلي، لاسيما من المثقفين.
تغير الكثير منذ تخرجي من المدرسة الثانوية، فعرفنا الإنترنت والهواتف المحمولة الذكية والقوارئ الإلكترونية وتغيرت خرائط بعض دول العالم وتم اكتشاف الشفرة الوراثية للإنسان وصارت لدينا ثورة اتصالات جعلت الكون قرية واحدة، حتى كادت معالم الحياة الأولى التي عشناها بالأمس فقط تبدو وكأنها قادمة من زمن سحيق. ويظل خطابنا الدعوي على حاله، لاسيما الموجه للناشئة، والذي يعتقد بأن التخويف من الموت والنار أجدى من التبشير بالرحمة والجنة، وأن التركيز على الحجاب والنقاب أهم من التركيز على الإيمان الصادق قولاً وفعلاً بحيث يتحلى المسلم بحسن الخلق ولا يقرب الكبائر. ما زال الدين يقدم في إطار الحلال والحرام بدلاً من الفهم الجوهري لمعنى أن تؤمن يقيناً، وتسلم حياتك كلها لله.
الخطاب الدعوي لم يتغير عبر السنين..الترهيب بالموت بدلا من محاولة زراعة حب الحياة في نفوس الشباب، تلك الحياة التي تدور في فلك الله تعالى وتعمر هذه الأرض في آن واحد، فلم يخلقنا الله لنموت، بل لنعبده ونعمر الأرض وفق شريعته. فلماذا لم يكن هناك خطاب مناسب يركز على تطوير الشخصية وتحقيق الأحلام مع ربط كل ذلك بالدين وبأهداف الإنسان في الحياة؟ لماذا تسعد الداعيات منذ أيام المدرسة ببكائنا أكثر من سعادتهن بابتسامتنا؟
سيقول الكثيرون بأن نية هؤلاء الناس طيبة وهن يبتغين الخير للبنات، وربما أخطأن في الأسلوب لكن تظل قلوبهن في المكان الصحيح، وأنا لا أنفي ذلك، بل وأعترف بأن هذه الداعية نفسها قالت لي شخصياً كلاماً طيباً أشكرها عليه، ولكننا أمام مرحلة حاسمة من تاريخنا، والتيارات والثورات تعصف بالأمة يمنة ويسرة، والطريق إلى جهنم كما يقال مفروش بالنوايا الحسنة، فالدفاع عن الإسلام والحرص على عدم تنفير أبنائه منه بهذه المسرحيات التراجيدية أولوية كبرى.
لقد انتهى زمن كان الشباب يُعدون فيه ليكونوا صُنَّاع الموت..بل نريدهم أن يكونوا للحياة صناعاً..يرتقون بأمتهم وينهضون بأوطانهم.