فعلاً نحن كائنات ليلية.. السعودي كائن ليلي بامتياز! في الغرب لا يستطيعون الاتصال بأصدقائهم بعد العاشرة مساءً إلا للضرورات القصوى.. هنا من الممكن أن يتصل بك أحدهم الساعة الحادية عشرة ليلاً، فترد عليه بأنك نائم، فيبادرك: نايم؟!.. سلامات!.. أكيد إنفلونزا.. قايل لك انتبه من البرد.. كثّر من البرتقال! والعكس أيام الإجازات حينما يجدك أحد مستيقظا مبكرا يبادرك: وش مصحيك على الصبح؟!
أصبحنا كائنات ليلية.. المعلومة ليست بحاجة لعناء أو تقصٍ لبحث مدى صدقيتها.. المؤشرات الحيوية لم تعد مقنعة كثيرا، اليوم المؤشرات الإلكترونية تؤكد ذلك بدقة، إطلالة واحدة على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، تجد أن نصف الشعب متواجد هناك.. بل ومرتفع الصوت! الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل والنقاشات حامية والحوارات صاخبة! والسهارى منتصف الأسبوع ليسوا وسط الشبكة فقط.. فهناك المتسدحين في الاستراحات، يعيدون نفس الأحاديث ويجترون ذات الحوارات.. حيث تحولت دقائقهم نسخا مكررة لبعضها.. فضلاً عن أولئك السهارى أمام شاشات الفضائيات.. حيث تعرض القناة الأولى برامج اجتماعية على الهواء مباشرة عند منتصف الليل! بل حتى مناسباتنا العامة تقام بعد صلاة العشاء بساعة.. قبل فترة دعيت لمناسبة شبه رسمية بعد صلاة العشاء بساعتين ونصف، ولكم أن تقدّروا زمن المناسبة! فتك السهر بالمجتمع.. وتجاوز الأمر مجرد كونه قرارا شخصيا يتعلق بالإنسان نفسه إلى عرف اجتماعي وتقليد إداري.. فلا أحد يستغرب حينما تقام الاجتماعات ليلا.. والندوات ليلا.. والمحاضرات ليلا.. اعتاد الناس على ذلك.. وحينما بادرت إمارة منطقة الرياض قبل سنتين إلى تنظيم الحياة العامة وأصدرت قرارها بإيقاف حركة البيع والشراء بعد منتصف الليل باستثناء المصالح الحيوية الكبرى ـ تماما كالعواصم العالمية ـ ثار الكثيرون مطالبين بإيقاف هذا القرار.. والحمد لله أن القرار ما يزال ساري المفعول. من الذي أوصل المجتمع لهذه الحالة؟