قلت في المقالة الماضية إن معظم قطاعات الدولة تصرف في كل عام عشرات ومئات الملايين من المبالغ المعتمدة لها في الميزانية كيفما اتفق، وتبذرها بشكل أقرب ما يكون إلى العبث، لأن الآلية المعمول بها في وزارة المالية تعاقب من يعيد لها مبالغ في نهاية السنة المالية بتقليص الاعتمادات المالية المخصصة لهم في السنة الجديدة، ويتم تخفيضها إلى النصف أو أقل من ذلك، كون ما تم اعتماده في العام الماضي لم يصرف.. فحسب فلسفة وزارة المالية عدم الصرف يعني عدم الحاجة، بينما كل الجهات تشكو من أن (المالية) لا تتفهم أسباب عدم الصرف ولا توجد لديها آلية لضبط هذه المسألة حتى لا يكون حكمها عاما وعشوائيا، ولأن وضع المالية وفهمها للأمور هكذا والنظام المعمول به من عدة عقود هكذا اضطرت هذه الجهات إلى العبث في الأموال العامة حتى لا تخفض وزارة المالية من ميزانياتها فيما بعد، واستشهدت برأي أحد المسؤولين الذي أكد لي صحة ما ذهبت إليه وصحة الاتهامات الموجهة لـ (المالية) وكيف أن نظام وزارة المالية يساعدهم بل يحرضهم ويشجعهم على الكذب والتحايل واستخدام سبل غير سليمة وصرف الملايين كيفما اتفق خوفا من تقليص الاعتمادات القادمة، وأن هذا النهج أدى إلى تنفيذ مشاريع بجودة متدنية، وفي أحيان أخرى اللجوء إلى نقل الاعتمادات المالية من بند إلى بند آخر بهدف التخلص منها، وربما استصدار فواتير شكلية لإثبات الصرف، فالنظام يدفعهم لفعل ذلك، وأوضح ذلك المسؤول أنه إذا كان النزهاء يشكون من هذه الآلية أفلا يمكن للفاسدين وضعاف النفوس أن يستغلوها؟
في ظني لو أعادت وزارة المالية النظر في هذه الفلسفة العقيمة وعكست المسألة لكانت النتائج أفضل ولحفظت أموال الدولة. قلت له كيف؟ قال الصحيح أن تكافىء وزارة المالية الجهات التي تعيد لها مبالغ لم تتمكن من صرفها لأسباب وجيهة، عبر عدم تقليص الاعتمادات المالية لهذه الجهات في السنة الجديدة، بل وزيادتها بحجم ما تمت إعادته من تلك الجهات عندما تكون الأسباب وجيهة، ولكن الآلية المعمول بها في (المالية) آلية واضح أنها خاطئة تماما.
من أوجه الهدر المالي أيضا وجود جهات حكومية تطلب سنويا اعتمادات لمشاريع ليست بحاجتها ولكن تطلبها لذات السبب السابق، ولأن آلية العمل في (المالية) لا يوجد فيها ما يمكنها من الوقوف على حقيقة ومصداقية كل المطالب المرفوعة للمشاريع فإنها تصرف الملايين لتلك الجهات، وهنا تتورط هذه الأخيرة بالمبالغ التي وصلتها والتي من المفترض أن تصرفها لتحصل على مثلها أو أكثر في السنة القادمة، وإلا سيطبق عليها النظام سابق الذكر وهو تقليص الاعتمادات المالية الخاصة بها، وحينها تقوم بتنفيذ مشاريع ليست بحاجة لها، أو تجديد واستبدال أشياء ليست بحاجة لاستبدالها أو تجديدها، وهكذا يتواصل العبث بالمال العام، والسبب الواضح للجميع أن هناك آليات وتنظيمات في وزارة المالية غير مفيدة وغير ناجحة، لكن لا يوجد من يبادر ويضع حدا لها ويأتي بنظام جديد يخدم كل قطاعات الدولة، وفي ذات الوقت لا يسمح بهدر الأموال بهذا الشكل.