اضحك على نفسك وعلى الحياة.. ليس من باب السخرية أو الشفقة أو صدى لأنين داخلي، لكن كعلاج، كدواء يخفف الألم، يتغلب على الاكتئاب، ويساهم في تحرر عقلك ليفكر بوضوح

عندما يخرج منا تصرف غبي، فإن أحد أفضل الطرق لتخطي ذكرى هذا الموقف المحرج هو أن نحوله إلى قصة نستخدمها لإذابة الجليد كلما سنحت الفرصة لذلك، ثم لماذا الإحراج أصلا.. فالجميع يخطئ، وإطلاق بعض الطرف على نفسك ممتع إن جربته، إنه ليس فقط يذيب الجليد مع المعارف الجدد أو يساهم في نشر ابتسامة أو ضحكة مكتومة من الجمهور، إن كنت في محاضرة أو جلسة اجتماعية؛ بل إنه أيضا يساهم في إيصال رسالة على أنك لست طاووسا، فبالتأكيد الغطرسة ليست أمرا مستحبا، ولكن من جهة أخرى بعض الثقة بالنفس يجذب، ومن يضحك على أخطائه لديه هذه النوعية من الثقة، إنه بذلك يعطي الناس من حولك الثقة بقدراتك، خاصة في السياق الرسمي كإشارة غير مباشرة إلى أنك قادر على القيام بالمهمة التي أمامك، ولكن حذار أن تستخدم هذا الأسلوب بكثرة بحيث يصبح من سمات شخصيتك الدائمة الظهور، لأنه بعد فترة من الوقت، بدلا من تلطيف الجو ومن ثم الإبحار في الحديث الجاد أو المحاضرة، تصبح كمن يشد انتباه الغير للقصور والمغالطات في شخصيتك، أي تنجح في جذب الانتباه لكن إلى المكان الخطأ.
اضحك على نفسك وعلى الحياة.. ليس من باب السخرية أو الشفقة أو صدى لأنين داخلي، لكن كعلاج، كدواء يخفف الألم، يتغلب على الاكتئاب، ويساهم في تحرر عقلك ليفكر بوضوح في اتجاه الحل، الذي إن فكرت فيه دون شوائب، ثم توكلت على الله بإذنه تعالى سوف يظهر لك بطريقة أو بأخرى.
بالنسبة لي أحيانا كثيرة أجد نفسي أضحك كي لا أبكي، ويعتقد من حولي أنني فقدت عقلي، فهم لا يفهمون أنني أخنق الأدمع وأنطوي على جرح عزة نفس، وأضحك قبلهم على الحياة وعلى نفسي! إنها مسألة كيف تريد الناس أن يشعروا وهم بالقرب منك، كيف تريدهم أن يرونك؛ لا أريد أن يشعر أحد بعدم الارتياح من حولي، أفضل أن ترتسم على الشفاه ابتسامة كلما عبرت في خاطرهم.. أن أكون صورة معبرة، عندي أفضل ألف مرة من أن يتركز التفكير حول محور مهاراتي أو قدراتي المهنية أو الاجتماعية، وعليه أجد نفسي أرجع دائما إلى تلك اللحظات التي ربما كانت أليمة أو محرجة ولكن لطرافتها جعلتها مخزونا أستخرج منه كلما احتجت أن أسرق الضحكة من قلبي أو أرسم ابتسامة على الوجوه من حولي.
وإليكم لحظات مضحكة من حياتي.. بطلها، منغص حياتي الأول؛ الحذاء:
- دخلت يوما بقالة، وبدأت بالمرور على الأقسام لاختيار ما وضعته على قائمتي، وبينما أنا منهمكة وإذ بي أشعر ببرودة في أسفل كاحلي، ألقيت نظرة سريعة إلى أسفل لأجد أن قدمي اليسرى كانت من دون حذاء! أين ذهب ذاك الحذاء اللعين؟! وبكل هدوء عدت أدراجي أبحث عنه لأجده عالقا في باب البقالة، ارتديته ورأسي منكس، لا أريد حتى أن أرى إن كان هنالك شهود، وانطلقت كالسهم إلى الخارج ولولا ستر الله كنت أخذت في طريقي كل حائط وحاجز وجدار!
- حينما كنت محاضرة وطالبة في السنة التحضيرية لبرنامج الدكتوراه، دخلت يوما لألقي محاضرة على الطالبات وكان لدي بعد ذلك امتحان مادة صعبة، وعند انتهائي خرجت وأنا أشعر بانتعاش أمدني بطاقة لتحمل ما قد أجده على ورقة الامتحان، وإذ بإحدى الطالبات تلحق بي وتقول على استحياء: أستاذة هل لاحظت أنك ترتدين حذاءين مختلفين في اللون والشكل؟، وبنظرة سريعة إلى الأسفل، وجدت أنني كنت أرتدي حذاء بنيا وحذاء كحليا، بل إن كل واحد منهما كان بارتفاع مختلف! هنا أجبتها وأنا أبتسم: كلا إنها ليست موضة! يا عزيزتي عقل أستاذتك موضة فريدة من نوعها!
- كنت في محطة قطار في مدينة باريس، وصعدت أحد السلالم الكهربائية لأصل لموقف القطار، وعندما وصلت إلى أعلاه اكتشفت أن كعب حذائي قد اختفى! نظرت إلى أسفل السلم، كم بت أكره النظر إلى الأسفل، ورأيت الكعب عند أول سلمة منه! عدت أدراجي وأنا أعرج ولكن بكل عنفوان مرفوعة الرأس، وحين وصلت إليه جثوت على ركبتي وأمسكت بالخائن بكلتا يدي وألصقته بحذائي ثم أخذت أضرب به الأرض ليلتصق من جديد، وبعد انتهاء المعركة، وقفت ثانية، أصلحت من هندامي، ثم صعدت ثانية واثقة الخطوة أمشي ملكا، غير آبهةٍ بكل النظرات من حولي خاصة أنني شعرت بنيرانها تحرق ظهري! ويسألونني لماذا لديك عقدة من الأحذية؟!
لعلي قمت اليوم بإذابة بعض الجليد بيني وبينكم! قد شاركتكم ولكن هل شاركتم يوما أحداً بلحظات حرجة من حياتكم؟ صدقوني أنه كإعادة برمجة للذاكرة لتحول ما قد يكون مؤلما أو محرجا إلى أمر مضحك يلطف دواخلنا ويقربنا من الغير.