يحقق تأنيث العمل في محلات الملابس النسائية ما يزيد عن ثلاثمئة ألف وظيفة نسائية، ويسهم في توفير حياة كريمة لعدد هائل من النساء، ويحد من تحويلات أجنبية تتجاوز المليارات من الريالات سنويا

قبل قرابة عام من الآن، قمنا بإعداد فيلم وثائقي عن الرجال الذين يحتكرون عمليات البيع في محلات الملابس النسائية، كانت شهادات المتسوقات تفيض تأففا من ذلك الواقع، وترى أن فيه من التناقض ما لا يمكن فهمه أو استيعابه، تحدثن كثيرا عن ارتياحهن في التسوق خارج المملكة، حيث يحصر البيع في كل محلات الملابس النسائية على نساء، وتستطيع كل متسوقة أن تختار ما تشاء. عرض الفيلم لقطات غاية في الإحراج؛ رجل وامرأة يمسكان معا بقطعة ملابس داخلية خاصة، ويتناقشان حول اللون والمقاس ومدى ملاءمته.
عظم الله أجرنا وغفر لنا في كل تلك السنوات، وعفا الله عما سلف، وعلينا أن نسامح كل من دافع عن تلك المشاهد وأراد حمايتها، أو الالتفاف عليها باحترازات لا مكان لها في الواقع كالمطالبة بتخصيص أسواق خاصة ومعزولة. في ذات الفيلم حملنا ذات السؤال إلى متسوقات في خارج المملكة، ماذا لو كان البائع رجلا، هل يمكن أن توافق على شراء ما تحتاجينه؟ كانت الإجابات حادة جدا، وعلى قدر من الاستغراب لهذا السؤال، وعما إذا كان هذا الواقع حقيقيا أم خيالا.. ففي بيروت مثلا، قالت إحدى النساء: لا أتصور أن يحدث هذا.. لقد سافرت إلى كثير من دول العالم ولم يحدث أن شاهدت رجالا فقط في هذه المحلات!
كيف يمكن أن نقص على الجيل القادم قصة تأنيث محلات الملابس النسائية، وأننا بقينا في ممانعة كبرى لسنوات نرفض إلا أن يظل الرجال هم الباعة، ونسعى بكل ما أو تينا لوقف هذا المشروع، وكيف سيتفهم الجيل الذي سنقص له الحكاية هذه المفارقة بين ما نعلنه ونقاتل من أجله من محافظة والتزام، وبين هذا الواقع الذي ظللنا نقع فيه يوميا لسنوات، ونهدر ذوقنا وحياء نسائنا، والحجة هي حماية الفضيلة!
اليوم نحن أمام درس حقيقي، مفاده أن التنمية الحقيقية لا تسهم في توفير الوظائف فقط، بل تسهم كذلك في حماية السلوك المدني للأفراد وبالتالي للمجتمع، لأن أسئلة التنمية المنطقية بحاجة لإجابات تسد ثغرات الاحتياج والتناقض وتحمي حق الناس في الاختيار الوظيفي، وتتحرك ضمن محددات الجدوى والفائدة، وكلها معايير لا تأبه بالخوف ولا بالممانعة العمياء التي هي المدخل والمسبب الأبرز لكل سلبيات التنمية ونواقضها.
طوال السنوات الماضية حملت وسائل الإعلام وكثير من الفقهاء الواعين آلاف المبررات التي تؤكد خطأ ما يحدث على مستويات اجتماعية وسلوكية واقتصادية، وأصبحت مناقشة ذلك الواقع مسألة سهلة للغاية يمكن أن تقوم بها أية امرأة أو رجل في الشارع، بغض النظر عن توجهاته وأفكاره.
يحقق تأنيث العمل في محلات الملابس النسائية ما يزيد عن ثلاثمئة ألف وظيفة نسائية، ويسهم في توفير حياة كريمة لعدد هائل من النساء ويحد من تحويلات أجنبية تتجاوز المليارات من الريالات سنويا.
الآن الشاهد الحقيقي على إيجابية ما حدث اقتصاديا وتنمويا هن النساء اللواتي التحقن بتلك الوظائف وأسرهن، وما طرأ من تغير إيجابي على حياتهن ووضعهن المعيشي، كذلك فالشاهد الحقيقي على إيجابية ما حدث سلوكيا واجتماعيا هن النساء اللواتي طالما لممن أطراف حيائهن وهن يغادرن تلك المحلات حين كان الباعة فيها من الرجال فقط.
هذه الأيام ينظر ديوان المظالم في دعوى مرفوعة ضد وزارة العمل تطالب بإيقاف قرارها بتأنيث العمل في محلات الملابس النسائية، بدعوى مخالفة القرار لما تنص عليه الأنظمة من منع الاختلاط، ولما لحق بالتجار من أذى نتيجة تطبيق هذا القرار. ومع أنه من الواضح أن الشق الثاني من الاحتجاج هو الأكثر تأثيرا في رفع القضية، يظل الشق الأول أكثر قدرة على التأليب واستثارة العواطف، ويتحول المشروع بسبب ذلك من كونه قضية تنموية ليصبح قضية فقهية، وهو الخلط الذي لا يجب علينا أن نتحاشاه بل أن نسعى لمواجهته، ومع أنه سيعيدنا إلى المربع الأول حول الاختلاط ومفهومه إلا أننا سنجد أنفسنا أمام واقع حياتي لا مناص فيه من الاختلاط الذي يمثل السمة الطبيعية للحياة العامة في كل مجتمع طبيعي وعادي وفطري.
ستكسب وزارة العمل مثل هذه القضايا غالبا، ليس لأنها قضايا تخصها هي، بل لأنها قضايا الحياة والناس فعلا، وهي لا تختلف في ذلك عن كل وزارة تستوعب دورها الوطني والتنموي والحقيقي واستحقاقات المرحلة الجديدة والتحولات المستمرة التي تقتضي عملا حقيقيا يستجيب لتطلعات الناس والمستقبل.