ليس من الطبيعي أن نحول منازلنا إلى ساحات معارك خاصة أن المراقبين فلذات أكبادنا، يجب أن ندرك أهمية وعظمة وجمال هدية الرحمن سبحانه علينا، هدية الأبناء لا تقدر بثمن فكيف نبيعهم بأرخص الأثمان؟

أتحدث إليكم اليوم بلسان أبناء الأسر المفككة وهي تعيش داخل المنزل الواحد... قد أصيب وقد أخطئ ولكن ما يعيشه الكثير من أطفالنا من عذاب يومي يستحق مني المحاولة ومنكم الإصغاء.
أعود كل يوم من المدرسة وفي عيني الخوف والرعب مما قد أواجهه حالما أفتح الباب، والداي يتشاجران، هو يصرخ وهي تبكي، في لحظات كهذه أتمنى لو أنني لم أكن حيا، إنهما لا يهتمان بما أراه أو أسمعه، إنهما حتى لا يهتمان بوجودي، يا إلهي ألا يعرفان كم أحبهما؟! أحبهما إلى درجة الموت وربما أكثر، ولكن هذا المشهد الذي لا ينتهي يكاد ينهي حياتي، أضع حقيبتي على الأرض بكل بهدوء وأتجه إلى غرفتي إلى عالم أتمنى فيه أن أضيع، هل يمكن للموت أن يرأف بحالي ويأخذني، هل يمكن أن أجد مكانا لا يصلني فيه شيء... لعل وعسى تتلاشى الأصوات، إنهما يكرهانني، أجل يكرهانني ولو أن هناك ذرة حب في قلبيهما لتوقفا عن القتال من أجلي، أحيانا حين يحتد الشجار ويلوح أبي بيديه في الهواء مهددا، أخاف أن يؤذي أحدهما الآخر، لم أعد أعرف طعم النوم فلا بكاء ولا نحيب ينفع، اتحدت أحشائي في التآمر عليّ فتهاجمني صباح مساء بسكاكين الألم فيجيبها رأسي بأوجاع أفظع أشعر معها وكأن رأسي سينفجر، لم أعد أثق بأحد، لم أعد أرتاح لأحد، أريد أن أبتعد عنهما، عن نفسي، عن كل الناس، وذاك الغضب يسعى حثيثا في داخلي يريد أن يصرخ في وجهيهما: كفى....كفى! ولكني لا أجرؤ! وكيف بي أن أقف في وجه العاصفة وهما عين العاصفة؟!
عائلتنا في حالة يرثى لها، فوراء القناع الذي يرتدونه في الخارج عائلة ممزقة، وكلما بدأ الشجار نشعر بالضعف والهوان، قد يكون من الصعب التوافق، ولكن ألا يمكن أن يكون الاختلاف ببعض من الكرامة؟ لماذا يجب علينا أن نشهد معارككما بل إنكما تريداننا أن نتخذ صف جانب على حساب جانب، ألا تدركان ثقل ذلك على قلوبنا على أرواحنا؟ كل ذلك ينهكنا ويسرق منا الأمان، من قال لكما إن المنزل أرض معارك، بل من أعطاكما أن تجعلا منا السلاح يهدد به كل منكما الآخر؟ هل خطر على بالكما أننا إن لم نجد الأمان في أحضانكما فسوف نبحث عنه في مكان ما، مع شخص ما كي نقضي أوقاتنا معه، الهروب، نعم إنه الهروب منكما إلى المجهول، ومسؤولية كل ما سيحدث لن يتحملها سواكما!
تتشاجران حول تربيتنا، يتهم كل منكما الآخر، تستخدماننا كسلاح تطلقان من خلاله السموم نحو الآخر، نحن أولادكما ولسنا قطعا من الشطرنج تحركانها فيما بينكما خاصة في أوقات حروب الصمت فتجعلان منا مراسلين: قل لها... قل له! ألا تريان أن كل ذلك يجعل من حياتنا مظلمة ومعقدة، بالله عليكما كيف تتوقعان منا أن نتعلم عن الحياة، عن التواصل والتعاطف إن كان ما تقدمانه ليس سوى خلل وخراب؟!
نريد أن نستمد القوة منكما معا وأنتما متفقان، نحن بحاجة إليكما، بحاجة إلى أن تتحدثا إلينا بصوت واحد، بقلب واحد، باحترام ومحبة، حينها فقط نعلم أن عائلتنا صلبة، فإن لم تحترما آراء بعضكما فكيف لنا أن نحترمكما؟! إن المنزل الخالي من المحبة والاحترام منزل مهجور وإن كان مليئا بالبشر، لا تجعلانا نشعر بضغط مسؤولية كل ما يحدث بينكما، أن نعتقد بأننا المخطئون، بأننا عبء جعل من حياتكما جحيما، ويجب أن نختفي، يا أبي ويا أمي كل ما نريده منكما هو أن نعيش بسلام، هل هذا كثير؟!
لو أن الآباء والأمهات يصغون إلى ما يجري في دواخل أبنائهم، لو أنهم يلاحظون الرعب والخوف في الأعين، لو أنهم يدركون فداحة الأذى الذي يحفرونه في أرواح فلذات أكبادهم، لتوقفوا عن الشجار، على الأقل أمام أبنائهم، نعلم أنه ليس من السهل أن نعيش دائما في سلام، ولكن نستطيع أن نعيش بكرامة واحترام، اختلاف الآراء طبيعي ولكن من غير الطبيعي أن نحول منازلنا إلى ساحات معارك خاصة أن المراقبين فلذات أكبادنا، يجب أن ندرك أهمية وعظمة وجمال هدية الرحمن سبحانه علينا، هدية الأبناء لا تقدر بثمن فكيف نبيعهم بأرخص الأثمان... الأنانية والنرجسية؟! لماذا لا نحرص على إبقاء منازلنا جنات أمن وأمان، بيئة محبة وعطاء وتسامح ومغفرة، لم لا نستيقظ كل صباح وبدلا من أن نسأل كيف سيكون يومي، نسأل عما يمكننا القيام به لمساعدتهم على بناء مستقبلهم.. بناء أسرهم... لتستمر الحياة ونستمر من خلالهم.