إحداث الفتنة الذهنية هو أكثر خرابا في حياة المجتمع من أية فتن أخرى محتملة

إحداث الفتنة الذهنية هو أكثر خرابا في حياة المجتمع من أية فتن أخرى محتملة، والفتنة هنا ليست بالمعنى الذي ارتبط بالمرأة في المخيلة الشعبية بل في بث الأفكار التي تتمتع بحصانة شرعية معينة ولها سطوتها على الأفراد الذين يساندون أكثر التوجهات الثقافية والفكرية تناقضا فيما يخص حياة النساء.
يستيقظ مجتمعنا بين وقت وآخر على صرخات جديدة أشبه بصراخ الويل والثبور وعظائم الأمور مرددين خوفهم من طوفان الغواية وسقوط المشروع التنويري الذي لن يسقطه - حسب مفاهيمهم - إلا المرأة، وهذا ما حدث في الأيام الماضية من إلصاق الخزي والعار بالمرأة لمشاركتها في ملتقى المثقفين، حيث إن المكان والزمان يظلان بريئين بالنسبة لهم حتى تحل فيه المرأة، وإن حلت فيه فإنها تكون الغاوية والمخربة. بل إنه تم اختزال مشروع تنويري وهمي في فئة محدودة في زمان محدود.
إن الإساءة المعنوية والاعتبارية أو الاتهام بصفات، لا يشكل أية ميزة إصلاحية بقدر ما هو وعي إيحائي ومبطن ومرسل إلى مجتمع بأكمله لخلق نماذج جديدة متسلطة ومضطربة فيما يخص علاقتهم بالمرأة داخل المجتمع.
الذي لا يدركه المغردون والكتبة أن العالم حولنا قد تغير وبشكل كبير ويجب أن يتم الاعتراف به، إذ إن الحقيقة تشير بوضوح إلى أن الجيل الحالي الذي فتح عينيه ووعيه على شبكات التواصل الاجتماعي والثورة الرقمية بعوالمها لا يمكن أن يستوعب المعاني المفخخة لتهويل وجود المرأة، أو خروجها، أو أنها أداة للتدمير والتخريب تحت أية ظرف أو أطر شرعية أو مسوغات فكرية ملتبسة بالنسبة له. ثقوا بهذه الحقيقة.
بث مثل هذا النوع من الأفكار التي تخبئ في ثناياها أفكارا ومقولات معينة لإكسابها حلة المنطق والمعقول، ولجعل مناورتها تبدو حربا ضد الفضيلة، مرده أن الأفراد المتلقين والمرسلين لمثل هذا مهيؤون من قبل، عقليا وذهنيا للمفاهيم التي مارست عليهم الوصاية الفكرية، وقد نسي هؤلاء الركب من الكتبة والمؤيدين أن من صفات الإنسان المؤمن حسن الظن بأخيه المؤمن، لكنه تجاهل أن يضيف لهذا الإيمان حسن الظن بأخته المؤمنة.
توقفوا عن نشر الوعي الشيطاني وتكريس هذا الفخ الثقافي الخطير والتشويش الذهني على جيل بأكمله يتطلع إلى أن يحيا بالطريقة التي تتوافق مع الواقع الذي يعيشه، هذا الواقع الذي فتح عينه عليه، سيجعل منه اليوم، أو غدا، شئتم أم أبيتم، يرى المرأة في كل مكان، في الشارع، في الإعلام، والملتقيات دون خوف من أن تتحول فجأة إلى صورة شيطان فيما يشبه أفلام الرعب، فلا توسوسوا لهم إلى درجة أن تجعلوهم يروا شيئا في الأفق هو ليس بموجود.