بإمكان المسؤول، في أي موقع كان، أن يحذف بعض جهات الوطن وأقاليمه من قاموس لغته الشخصي.

بإمكان المسؤول، في أي موقع كان، أن يحذف بعض جهات الوطن وأقاليمه من قاموس لغته الشخصي، لكنه لا يستطيع أن يمسحها من الخريطة. فمثلا لكي يرفع الحرج عن نفسه، أو يريح بصره، رأى المسؤول عن سكة قطار الشمال ـ الجنوب، أن الاسم لا يتطابق مع المسمى فقرر تغيير الاسم إلى قطار سار، كي يتطابق تماماً مع خريطة الرحلة القادمة. ومن الواضح تماماً أن بيننا بعض المسؤولين الذين يحتاجون العودة إلى درس الجغرافيا في الصف الرابع الابتدائي كي يدرسوا من جديد أن للوطن، مثل كل الأوطان، خريطة شبه مربعة بجهات أصلية أربع، ومثلها من الجهات الفرعية. الوطن الهائل الكبير لم يكن على الإطلاق مثلثاً بثلاث زوايا وجهات، ولن يكون مع بعض هؤلاء المسؤولين مجرد المسافة من مشرق الشمس إلى المغرب. مثل هؤلاء يختصرون هذا الوطن في مجرد شريط طولي ضيق، والوطن أعرض بكثير من سكة قطار ظن مسؤوله أنه سيحذف وجهة منه إذا ما حذفها من قاموسه الشخصي. أستأذن هؤلاء أن يتكرموا علينا بالبقاء في القاموس، تشبثاً بالأمل، حتى ولو لم نكن مع مثل هؤلاء على الخريطة.
كيف ستقرؤون، بالمثال، أن البرهان يشير، إلى أن مسؤولي بضع وزارات سيادية خدمية لم يزوروا على الإطلاق بعض ـ بوصلة ـ الوطن الأصلية ولا الفرعية طوال خدمتهم، أو على الأقل طوال عقد من الزمن كانوا فيه مع طواقمهم من حولهم على رأس المسؤولية؟ كيف يمكن لمثل هؤلاء أن يكونوا على دراية وعلم بآمال الناس وآلامهم؟ وإذا ما قال لي أحدكم إن الزيارة بحد ذاتها لم تكن هدفاً طالما المسؤول يوقع الأوراق ويدرسها من فوق مكتبه والأهم ما اعتمده بقلمه لا ما شاهده بعينيه فسأقول: هؤلاء ابتدؤوا حذف أركان البوصلة، وهؤلاء لم يقتدوا بالرمز الأعلى وبإخوته الكبار من حوله الذين لم يتركوا منطقة ولا إشارة ثانوية لبوصلة إلا ووصلوها رغم زحمة الأعمال وهموم إدارة الدولة. هل يعلم مثل هؤلاء المسؤولين أن في البلد ما لا يقل عن ثلاثين مطاراً يستطيعون عبرها أن يصلوا لكل الجهات وأن يعودوا لأهلهم قبل مغرب الشمس إن كانوا في ـ حساسية ـ من الليل؟ وهل يعلمون أن أيام الله المزدحمة تسمح بيوم شارد وحيد يصلون فيه لجهة ـ محذوفة من القاموس الشخصي ولكنها على الخريطة.