نحن بحاجة إلى طرح معرفية جديدة في فهم المرأة، وفي فهم الرجل، ولا أبالغ إن قلت إن كثيرا من مشاكلنا الاجتماعية مثل الطلاق والتفكك الأسري وتربية الأبناء لها ارتباط مباشر بالتصور الذهني للإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة
عند الحديث عن قضية المرأة في المجتمع، نجد أنفسنا أمام تيارين من الكتابات والآراء، التيار الأول يتهم المجتمع بأنه: سجن فسيح، تعيش فيه المرأة، وأنه المكان الذي يُحجب فيه الضوء عنها، والتيار الثاني يرى أن من يطالب بحقوق المرأة، يريد في الحقيقة إخراجها من بيتها وأن يسلخها من حجابها ودينها وأخلاقها.
وعلى هذا الأساس، كثر الجدل حول المرأة، ومعظم الآراء مهما اختلفت في أشكالها سواء كانت تتناول القضية من مفهوم ديني وفقهي أو من ناحية العادات والتقاليد، إلا أنها في النهاية تتفق في المضمون وهو تناول القضية بشكل نظري بمعنى إقرار حقوق المرأة نظرياً والبعد عن إقرار هذه الحقوق في الواقع.
فكما رأينا مؤخراً، كيف احتدم الجدل بين الناس (رجالاً ونساءً) حول قضية ملتقى المثقفين والمثقفات، وكذلك البدء في تنفيذ قرار تأنيث المحلات النسائية لدرجة أن الناس أصبحوا مثاليين في تفكيرهم أكثر مما ينبغي، ففضلاً عن تبادل الاتهامات بين الأطراف، نجد أن البعض يطالب على سبيل المثال بإنشاء مستشفيات خاصة للنساء فقط، والبعض الآخر يصوّر أن جميع حقوق المرأة قد ضاعت ما دام أن الناس هكذا تفكيرهم، ومنهم أيضاً من يتصوّر أن الناس سوف تتخلى عن عاداتها وتقاليدها في يوم وليلة، فإذا لم يقتنعوا بالأفكار الحديثة فإنهم متخلفون ورجعيون!.
يقول علماء الاجتماع إن: من عيوب النزعة الجدلية أنها تعلّم الفرد أن يطلب من غيره أعمالاً لا يستطيع هو أن يحققها بنفسه، فهو يريد من غيره أن يكون مثالياً في أعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي، ونراه عندئذ شديد النقد سليط اللسان يفترض في من ينتقدهم أن يكونوا معصومين من الخطأ، فإذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخّمها.. أما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها، وقد يأتي بالأدلة ليبرهن على أنه لم يفعل سوى الصواب.
في الحقيقة إن القول السابق قد يعطينا صورة مختصرة للمجتمع الذي استفحلت فيه النزعة الجدلية، وهو ما يفسّر لنا أيضاً ما حصل من ردّة فعل متباينة من جميع الأطراف في قضية ملتقى المثقفين وغيرها من القضايا وخاصةً التي تدور حول المرأة، وهنا لا أبرئ أحداً من هذه النزعة من جميع الأطراف حتى نفسي، فأنا فرد من أفراد المجتمع، أتأثر بقيم وأخلاق المجتمع الذي أعيش فيه.
إن الإنسان يعيش داخل مجتمع يتأثر به ويؤثر فيه والحياة هي ذلك التفاعل المستمر بين الإنسان ومجتمعه، وليس هذا فحسب بل إن شخصية الإنسان تتكون من المجتمع ونظرة الآخرين إليه، وكثيراً من جدلنا حول المرأة ندعي فيها فهمنا لطبيعة المرأة أو فهمنا لطبيعة الرجل، وفي الحقيقة فإن طبيعة الفهم هذه ما هي إلا تصورات ذهنية في الأساس عن طبيعة الآخر، تراكمت في وعي الإنسان من جيل إلى آخر.
وهذا ما أنا بصدده في هذه المقالة، فكثير من الدراسات والأبحاث والكتابات ركزت بشكل كبير على العادات والتقاليد والفتاوى الفقهية حول المرأة والرجل وأهملت في الوقت نفسه جانب التصورات الذهنية للرجل والمرأة، لذلك فليس من المستغرب أن نجد من يهاجم هذه التقاليد وهذه العادات ومن يدافع عنها ومن يستخدم الأقيسة المنطقية في إثبات البراهين والحجج على الآخر سواء من منظور ديني أو من منظور اجتماعي، وبالتالي كثر الجدل وقل العمل.
فكيف يتم انتقاد العادات والتقاليد، في الوقت الذي نعلم فيه أن الإنسان يعتقد اعتقاداً جازماً بأن حياته هي الحياة المثلى، وأن العادات والتقاليد تمثل له أفكاراً ومثلا عليا وأخلاقاً حميدة؟، وكيف يتهم بالرجعية والتخلف لأنه يتمسك بهذه العادات ونفرض عليه مثلاً عليا من مجتمع آخر لم يعش فيه؟.
وكيف نقول إن من طبيعة المرأة الإسراف على أدوات التجميل والاهتمام بنفسها وكثرة الذهاب إلى الأسواق، في الوقت الذي ننسى فيه أن المجتمع قد فرض عليها ذلك، فالبنت تتدرب منذ الصغر على أن تنشغل بجسمها وملابسها وزينتها طول الوقت، وقد تصاب بالقلق والأمراض بسبب حرصها الشديد على استيفاء مقاييس الجمال الموضوعة؟.
وماذا نقول عن الشاب الذي يرى في تصوره الذهني أن المرأة التي تكشف وجهها وتتزين بالمساحيق، أنها ما فعلت ذلك إلا أنها تريد من الشباب أن يعاكسوها، لذلك لا يجد الشاب ما يمنع من التحرش بها وملاحقتها في الأسواق؟.
وماذا نقول أيضاً عن الرجل الذي يتصور أن مساعدة زوجته في الأعمال المنزلية أو البقاء في المنزل أن ذلك ينقص من شخصيته كرجل؟ وما هو تصور المرأة للرجل الذي يقوم بهذه الأعمال؟.
هذا ما قصدته بالتحديد عن التصور الذهني لدى المرأة والرجل عن بعضهما بعضا، والذي لم يلتفت إليه كثير من العلماء والكتّاب معتقدين أن ذلك من طبيعة المرأة والرجل، متناسين أثر المجتمع في تشكيل حياة الإنسان.
لذلك نحن بحاجة إلى طرح معرفية جديدة في فهم المرأة، وفي فهم الرجل، ولا أبالغ إن قلت إن كثيرا من مشاكلنا الاجتماعية مثل الطلاق والتفكك الأسري وتربية الأبناء والمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الناس لها ارتباط مباشر وعلاقة وثيقة بالتصور الذهني للإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة، فالمشاكل الزوجية على سبيل المثال نجد أن كثيراً من أسبابها تتعلق بما يتوقعه ويتصوره الرجل عن زوجته، وما تتصوره وتتوقعه المرأة عن زوجها، ونقيس على ذلك بقية الأمور.
إذا استطعنا فهم ودراسة التصورات الذهنية للمجتمع، سوف نركز أكثر على المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الناس، ونترك الجدل الذي لا طائل منه سوى إهمال المشكلة وبالتالي تفاقمها، والعالم يتغير ويتطور بشكل متسارع من حولنا ومجتمعنا ليس بمنأى عن هذا السيل الجارف، ونحن نواجه إيجابيات وسلبيات هذا التغير شئنا أم أبينا.