الغربة منحتني الفرصة لأرى ديني ومجتمعي ووطني بشكل أفضل بكل الإيجابيات والسلبيات، ومنحتني الفرصة أيضاً لأرى المجتمع الغربي عن كثب بعيداً عن تلك الهالة التي يصبغها عليه المنبهرون به

في عالم الكتابة الروائية هناك ما يعرف بالشخصيات المسطحة، وهي تلك الشخصيات الثانوية الثابتة التي لا تتغير ولا تتطور، فوظيفتها الأساسية القيام بدور مساند لدور البطل الأصلي الذي لا بد أن يظهر بصورة متكاملة، إذ يمر بتحولات وتطورات خلال فترة حياته بين دفتي الغلاف، والذي لشخصيته جوانب متعددة وإن طغى جانب بعينه على آخر بشكل رئيسي، مما يجعل شخصية هذا البطل أقرب للواقع الإنساني، وبالتالي أكثر قابلية للتصديق لدى القارئ، وتدل على تمكن الكاتب من أدواته الإبداعية.
يدور الكثير من حوارات السعوديين من المثقفين والعامة هذه الأيام، عبر الشبكات الاجتماعية الإلكترونية وعلى رأسها فيسبوك وتويتر، حيث بات المجال مفتوحاً لأن يدلي المرء بدلوه في أكثر من موضوع بشكل سريع ومباشر ومختصر أكثر مما يتاح عبر المقالات أو التدوينات. ولهذا الأمر ميزات وعيوب، ومن أبرز العيوب هو أن صغر المساحة المتاحة للكتابة - ولا سيما في تويتر- وكثرة المداخلات المشتتة للموضوع لا يسمحان بتوضيح الرأي بشكل متكامل، خاصة أن هناك من يصرون على تقديم سوء النية، أو ممن لا يكلفون أنفسهم عناء محاولة فهم ما كتب قبل طرح الأسئلة التهكمية أو التعليقات المستهجنة أو الردود اللاذعة.
فلنفرض أن عالم شريعة تحدث عن معارضته لمسألة الاختلاط بين الرجال والنساء لغير حاجة، ثم عبر عن تأييده لعمل النساء في محلات بيع المستلزمات النسائية، فسنجد أنه سيوصف مباشرة بالتناقض وتغيير المبادئ. فنحن اعتدنا أن يكون الناس إما مع أو ضد، أن يكونوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، مطبلين أو معارضين، أي شخصيات مسطحة ذات بعد واحد، أما أن تكون لدينا شخصيات متكاملة صاحبة رؤى متعددة، فهذه منبوذة من الجميع، لأنهم باختصار لا يعرفون كيفية التعامل معها.
لعل قضايا المرأة والتعليم والعلاقة بين الجنسين وصلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي المجالات الأكثر إثارة للجدل وللمعارك الفكرية أو الاجتماعية، حيث يُطلب منك أن تعلن بسرعة عن الجهة التي تنحاز إليها، وإلا وصفت بالتذبذب والتناقض.
منذ أن بدأت الكتابة على صفحة نقاشات في صحيفة الوطن قبل أكثر من عشر سنوات وأنا يومها طالبة على مقاعد الدراسة الجامعية، وقضايا المرأة والتعليم ومحاربة التشدد تحتل جل موضوعات مقالاتي في وقت لم يكن الكثيرون يتحدثون عنها بشكل صريح، ولا أزال أعتنق المبادئ نفسها إلى حد كبير، لكن من الطبيعي أن تتطور بعض الأفكار وتتغير خلال عشر سنوات تخرجت فيها تلك الطالبة اليافعة من الجامعة وتدرجت حتى حصلت على الدكتوراه، ولاسيما أن ذلك ترافق مع تجربة أخرى هي الدراسة والعمل في الخارج والاعتماد كلياً على النفس.
فالغربة منحتني الفرصة لأرى ديني ومجتمعي ووطني بشكل أفضل بكل الإيجابيات والسلبيات، ومنحتني الفرصة أيضاً لأرى المجتمع الغربي عن كثب بعيداً عن تلك الهالة التي يصبغها عليه المثبطون والمنبهرون به.. رأيته بنجاحاته وإخفاقاته، وتعلمت منه كيف تسعى الأمم الحية لحل مشكلاتها بشكل عملي بعد أن تعترف بها، وكيف يتقبل الجميع إلى حد معقول (وليس كاملا) الرأي الآخر، وأن الأفعال أبلغ تأثيراً من الأقوال.
وصلتني مؤخراً تعليقات مختلفة تستغرب ما اعتبروه تحولاً في تفكيري وكتاباتي، وأنني بت أكثر محافظة فكرياً مما كنت عليه وأكثر مهادنة للتيارات المتشددة وأن ذلك مدعاة لخيبة الأمل. والواقع أنني أستغرب استغرابهم، فأنا لم أنتم يوماً لتيار ما، بل كنت أعبر عما يجول في خاطري من أفكار بناء على تفكيري وقراءاتي وتجاربي الحياتية.
فمازلت أعتقد أنه لا بد من الاعتراف بالمرأة كمواطن كامل الأهلية، وبأن التشدد الذي يمارس ضدها في المدارس والجامعات والحياة العامة خاطئ وأتى ويأتي بنتائج سلبية، لكنني في الوقت نفسه مازلت أرى أن الحل ليس في الانقلاب على الشرع، أو إجبار امرأة ما على الاختيار بين قناعاتها الشخصية والوظيفة مثلاً، هو أمر خاطئ أيضاً.
ومازلت أرى أن تعليمنا بحاجة إلى خطة إنقاذ عاجلة، ولكن هذه الخطة لا تتم عن طريقة تهميش اللغة العربية والثقافة الإسلامية ومصادرة الهوية الوطنية عن طريق مناهج أجنبية مستوردة تعلم الأطفال تاريخ الحربين العالميتين الأولى والثانية لكنها لا تعلمهم شيئاً عن فتح الأندلس أو معركة حطين.
ومازلت أطالب بالاهتمام بالسياحة. وكعاشقة للفن السابع أتمنى أن أرى صالات عرض سينمائية تحت إشراف الدولة والتي قد تحد من تدفق السعوديين في كل عطلة نحو دول ليست بأفضل منا لجهة المناخ أو المناظر الخلابة، فقط لتوافر هذا المرفق الترفيهي فيها، لكن هذا لا يعني أن نسمح بما يخالف ديننا بحجة السياحة والانفتاح.
تمر بلادنا حالياً بفترة استقطاب فكري رهيبة، ولكي تكون ليبرالياً سعوديا فلا بد أن تشتم الهيئة وتطالب بالاختلاط بالمطلق، ولتكون متديناً فلا بد أن تعارض كل قرار لصالح استقلالية المرأة وأن تقف مع الهيئة ولا تقر بأخطائها مطلقاً، وحتى لا تحسب على هؤلاء وأولئك تجد نفسك مضطراً أحياناً لأن تنأى بنفسك عن الخوض في هذه الموضوعات، أملاً في ألا تتحول إلى بيدق بيد أحدها رغماً عنك. وهو ما نبهتنا له المرحومة هديل الحضيف في تدوينتها أي بيدق أنا؟: يرعبني أن أكون بيدقاً في يد لا أعرفها، يرعبني أن تكون آرائي صدى لغيري دون وعي مني، ويجعلني أحياناً أعيد النظر في جدوى الكتابة، وجدوى القضايا التي أؤمن بها، وجدوى كينونتي ككل!.
فإلى الذين أحبوا حروفي يوماً.. أنا لم أنقلب على مبادئي.. أنا فقط أرفض أن يكون قلمي بيدقاً بيد أحد.. أريده أن يظل حراً ومستقلاً وموضوعياً.. وأجاهد لتحقيق ذلك.