كان للعرب القدامى سبق في تناول الفكر بالنقد والتحليل والتنظير، بالإضافة إلى أن آراءهم النقدية تمتزج بآرائهم الفلسفية، فيستنبتون الرؤوس بنظريات تتناسب وواقعهم وبنياتهم المجتمعية والسياسية والنفسية
إن كل الرؤوس بطبيعة الحال تولد حسب الفطرة التي فطرها الله عز وجل عليها، إلا أن بعض الأكتاف تحمل بين أذنيها رأسا هي في حقيقة الأمر بلا رأس، فالرأس يحتاج إلى استنبات، وصناعة الرأس هي ما يحتمه علينا عصرنا هذا، لأنها تأخذ أشكالا ذات منحى آخر ومعنى مختلف في كل عصر، إذ إن لكل أمة جسدا يحمل رؤوسا متعددة ومتنوعة تختلف باختلاف ما حوته من علم وأدب وهم جمعي وإرث، وبطبيعة الحال كان لزاما على كل أمة أن تستنبت رؤوسها في طينتها، فإن لم تزرع في طينتها التي هي لها ومنها تدحرجت على الأكتاف لا محالة، فلكل أمة طينة لا تؤتي ثمارها إلا من امتداد جذورها بها، فمكوناتها هي من مكونات هذه الطينة كما أسماها الفارابي وابن رشد وابن سينا، وغذاء الأغصان لا يتم إلا عن لحاء وخلايا الفروع المتصلة بالجذور، كما ينبغى علينا فرز تلك الروؤس والإبقاء على الثمين منها دون الغث، لأننا نرى في يومنا هذا أن أغصانا تسبح في فضاء بلا جذور تعمل على استمرار خضرتها وينعانها، فأصبحت الرؤوس أشبه بباقات زهور جميلة ورافة ومدهشة ولكنها موضوعة في أزاهير في صالات العرض أو في قاعات الـخمس نجوم المزدحمة بذوبان الهوية، فهل تُعمر هذه الأزاهير أكثر من أيام قليلة؟ هذا هو السؤال.
فما أجمل الأزاهير في صياصي القاعات ولكنها سرعان ما تموت، هو كذلك الرأس المتحذلق النافر والمنفر للأنس المتصل بالجذور. إن أزاهيرنا تزهر طويلا إذا ما وضعت في شرفات نوافذنا متسقة مع جذورها المتصلة بثدي الأم، بحفنة من تربة الوطن ومعينها لباعث على الحياة واستمراريتها، فشرفات نوافذنا أبقى لأزاهيرنا من قاعات تزدحم بصخب لا معنى له، لأنها تخصنا نحن، وتحمل خصوصية الشرفة أو النافذة لا تلك الخصوصية التي أهدرها جاك دريدا على عتبات التفكيكية أو توماس فريدمان في نظريته العالم المسطح، واستبعد العرب من خارطته العالمية المسطحة لما يحمله من غربة معرفية وجمالية بمقتضيات هذا العالم الباعثة على العولمة وذوبان الهوية وتضاؤل القوة الصناعية المنتجة، فهو يرى أن هذا العالم المستبعد من خارطته لا يحمل تماسا شعوريا تنبثق منه القوة الصناعية والديموقراطية وجميع المهام المجتمعية كما يدعي.
وذلك لأننا أمعنا النظر طويلا فيما أفرزته النظريات المستوفدة التى أعدت لطينة مغايرة تحمل خطابا مغايرا لطينتنا، بالرغم من أن أسس هذه النظريات هو نحن وثقافتنا، فـسانت بوف وبرونتير وجورج لوكاكش ولوسيان جولدمان وغيرهم من النقاد الحداثيين كان الجاحظ أولهم في نظرية علمية النقد والتحليل التي ضجت بها ساحات الثقافة العالمية والعربية حتى يومنا هذا، فهو من أشار إلى أن النقد علم، حيث جعل مرد استشهاد الناقد من الذاكرة، وجعل النقد يرجع إلى ثقافة الناقد واتساع معارفه، وكان يستخلص علوم النبات والحيوان وغير ذلك من العلوم من تحليل الأعمال الإبداعية، كما أن الفلاسفة المسلمين جعلوا النقد يُخضع ذلك للتجربة والبرهان المنطقي. والجاحظ استغل الشعر مصدرا لمعارفه العامة إذ استمد منه تصورا للخطابة وبعض معلوماته عن الحيوان، بل جاء بأشعار وشرحها لأن شرحها يعينه على استخراج ما فيها من معرفة علمية، وهو إذا ما روى الشعر بمعزل عن الاستشهاد فإنما يرده للذاكرة كغيره من نقاد عصره.. ومرد هذا الى طبيعته الذاتية وملكاته وسعة ثقافته، وهو ما اعتمدت عليه النظريات الحديثة سالفة الذكر.
فكما أنه افترض أن قوة الغريزة هي التي تتفاوت بين العرقين، وهي ذلك المبدأ الذي استند إليه تايللور ودوني كوش الذي أحدث ثورة في التحليل الاجتماعي ومن ثم الأدب والفن المعاصر. فالجاحظ يرى أن قوة الشعر لدى غير العربي قصيرة الرشا عن المولد. ومن هنا يعرف الشاعر وعرقه من بين أبياته دون اللجوء إلى هويته، وذلك هو محور الارتكاز لدى تايللور.
فالنظريات النقدية الغربية تزاحمت في الرؤوس العربية حتى أزاحت كل الأفكار النقدية العربية القديمة ومبدعيها، فنجد باختين ولوكاكش ودريدا وفوكو وتايللور وجولدمان وغيرهم اتخذهم الفكر العربي الحديث مرجعا ومنهجا جديدا ولم يتبادر إلى أذهاننا أن بذورهم تمتد في أعماق النقد العربي القديم كما أسلفنا، فكيف نريد أن نصنع تاريخ الآداب العربية وما تزال شخصيات الكتاب والشعراء والعلماء مجهولة أو كالمجهولة، ولا نكاد نعرف منها إلا ما حفظه الأغاني وكتب المعاجم والطبقات؟
كما أننا لم نر نظرية عربية معاصرة تستنبت الرأس في الجسد، فلقد كان للعرب القدامى سبق كما أسلفنا في تناول الفكر بالنقد والتحليل والتنظير، بالإضافة إلى أن آراءهم النقدية تمتزج بآرائهم الفلسفية، فيستنبتون الرؤوس بنظريات تتناسب وواقعهم وبنياتهم المجتمعية والسياسية والنفسية أيضاً، التي تشع بها أرجاء فكر وفلسفة الأدب المعاصر. لكنها اتسعت الفجوة الآن حتى أصبح التواصل المعرفي مسخاً دون طعم أو رائحة، وقد عزا المحللون ذلك الخلل إلى أمور عدة منها اقتصادية وتقنية، وتقدم في تقنيات السينما على المسرح العالمي والإعلام، إنما هو في حقيقة الأمر توفر تلك الطينة والرجوع إليها، فثقافة النزوح أصبحت بدورها مرضاً عضالاً ومعدياً يبعث على انفصام العرى وتدحرج الرؤوس في نهاية الأمر، لأن التربة المُنبِتَة لكلا الطرفين هي ذلك الحس المشترك. فالشارع ما هو إلا تلك المرآة المتسلطة على الفكر لتعكس ما فيه، إذ ليس ذنب المرآة أن يمر أمامها أشخاص يثيرون الاشمئزاز، فهي لا تدافع عن أحد.