يمكن استثمار الجزء الأعظم من الاحتياطي في أصول اقتصادية ذات مردودٍ اقتصادي ومالي أكثر جدوى، داخل المملكة وخارجها، من خلال صناديق الاستثمار القائمة، دون إخلال بالهدف الرئيسي من الاحتفاظ بالاحتياطي
خلال السنوات القليلة الماضية حققت المملكة العربية السعودية فوائض عالية نتيجة الزيادة في إنتاج البترول وارتفاع أسعار النفط الخام. وقد تم تحويل بعض تلك الفوائض إلى أصول احتياطية تديرها مؤسسة النقد العربي السعودي، أغلبها على هيئة استثمارات في أوراق مالية في الخارج.
وربما كان من المناسب، والمؤسسة تحتفي بقيادتها الجديدة، أن نُعيد التفكير في سياسة الاحتفاظ بهذا الاحتياطي الضخم على هذا النحو، والنظر في تحويله إلى أوعية استثمارية أعلى مردوداً، نظراً إلى أن هذا الاحتياطي قد تجاوز بكثير احتياجات السياسة النقدية.
ففي خلال عام 2011، بلغ حجم الأصول الاحتياطية التي تديرها المؤسسة نحو تريلوني ريال، أو (533) بليون دولار. ومع أن احتياطيات الصين واليابان تتجاوز هذا الرقم بالقيمة المطلقة، إلا أن احتياطي المملكة هو الأعلى كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تجاوزت قيمة تلك الأصول (90%) من حجم الاقتصاد السعودي، وهي النسبة الأعلى عالمياً، حسبما أعلم.
وحسب المتعارف عليه دولياً، فإن البنوك المركزية تستخدم الاحتياطي لدعم السياسة النقدية في المقام الأول، أي لتحقيق استقرار العملة على المدى القصير والمتوسط، ولإدارة السيولة النقدية. ولأن الاحتياطي يُستخدم أساساً لهذه الأغراض، فإنه يتم الاحتفاظ به على شكل أوراق نقدية، أو ذهب، أو لدى صندوق النقد الدولي، أو في أوراق مالية قصيرة الأجل.
ويُلاحظ أن معظم هذه الأدوات ذات مردود متواضع (عدا الذهب هذه الأيام) أو ليس لها أي مردود على الإطلاق، ولكنه يتم الاحتفاظ بالاحتياطي على هذا النحو بهدف تقليل المخاطر وزيادة نسبة السيولة.
ولكن الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد الآن تجاوزت بمراحل احتياجات السياسة النقدية. فعادة ما يُحدد الحد الأدنى للاحتياطي بما يكفي لتغطية قيمة الواردات لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر. وفي المملكة يعني ذلك بين (25) إلى (30) بليون دولار، في حين أن الاحتياطي الذي تحتفظ به المؤسسة يغطي قيمة واردات (65) شهراً، أو نحو عشرين ضعف المستوى المطلوب!
ومما لا شك فيه أن زيادة الاحتياطي عن الحد الأدنى المطلوب توفر مستوى أعلى من الحماية والحيطة، ولكن الاحتفاظ باحتياطي يبلغ تريليوني ريال لفترات طويلة غير مجد اقتصادياً إذا تم الاحتفاظ به في أدوات ذات مردود منخفض. إذ يُظهر آخر تقرير لمؤسسة النقد أن أكثر من 70% من الأصول الاحتياطية هي استثمارات في أوراق مالية في الخارج، أما الباقي فهو بشكل رئيسي إما أوراق نقدية أو ودائع في الخارج، أو لدى صندوق النقد الدولي، مع نسبة محدودة من الذهب.
ومن الواضح أن الاحتفاظ بالاحتياطي على هذا النحو الذي يتجاوز احتياجات السياسة النقدية مكلف اقتصادياً لأن الأصول التي أشرتُ إليها لا تعود بمردود يُذكر، بل إن قيمتها الشرائية تتآكل وتنخفض تدريجيا لسببين رئيسيين، أولهما تقلبات سعر عملة الاحتياطي، وهي في الأغلب الدولار الأميركي، والثاني التضخم، الذي يعمل، كما هو معروف، بمثابة تخفيض غير معلن لقيمة العملة.
ولتصوير هذه النقطة الأخيرة بمثال من الواقع، سأستخدم نظرية اقترحها مؤخراً أحد خبراء مؤسسة النقد، حين قال إن المواطن السعودي قد فقد خلال السنوات الخمس الماضية ثُلث قيمة دخله نتيجة التضخم، وهو يعني بذلك ما أدّى إليه التضخم من انخفاض للقيمة الشرائية للريال. وبلا شك فإن شفافية طرحه تُثير الإعجاب، ولكنه لم يقل إلا الحقيقة الواضحة، وهي أن انخفاض القيمة الشرائية لأي عملة أمر محتوم تقريباً، فهو إما أن يحدث من خلال انخفاض قيمتها التبادلية مع العملات الأخرى، أو من خلال التضخم الذي يُخفض القيمة الشرائية تدريجياً.
فإذا كان المواطن العادي يفقد ثُلث قيمة دخله ومدخراته كل خمس سنوات بسبب التضخم وانخفاض القيمة التبادلية للعملة، فإن الأصول الاحتياطية للبنك المركزي كذلك تفقد قيمتها الشرائية بمرور الزمن، ما لم تُستثمر في أصول تأتي بمردود يفوق قيمة التضخم ويعوض عن انخفاض قيمة عملة الاحتياطي التبادلية مع العملات الأخرى.
ولهذا فإن الإدارة الاقتصادية الحصيفة لهذا الاحتياطي قد تتطلب أن يُستثمر الجزءُ الذي يتعدّى احتياجاتِ السياسة النقدية، وهو الجزء الأعظم منه كما أسلفتُ، في أصول اقتصادية ذات مردودٍ أعلى. ويمكن أن يُعهد ذلك إلى صناديق الاستثمار الحكومية القائمة، للاستثمار داخل المملكة وخارجها، لتحقيق التوازن وزيادة في الحيطة.
وأعلمُ جيداً أنه بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة أصبح المستثمرون أكثر حذراً وتجنباً للمخاطر، ولكن ثمة وسائل معروفة للاحتياط ضد تلك المخاطر. وفي حالة كان الاستثمار في الاقتصاد المحلي فإن ثمة آثاراً اقتصادية حميدة، من خلال ما يُعرف بتأثير المُضاعِف، تتأتّى من خلال تدوير الاستثمار، وإنعاش الاقتصاد، وإيجاد الفرص الوظيفية للمواطنين، وهذه الآثار الاقتصادية تُضاف إلى المردود المالي للاستثمار، أو على أضعف تقديرٍ، تزيد من فرص المحافظةِ على القيمة الشرائية لتلك الأصول الاحتياطية من التآكل المحتوم نتيجة التضخم وانخفاض القيمة التبادلية لعملة الاحتياط.