على هوامش التغطية التلفزيونية لمهرجان الجنادرية، استمعت إليه (دعوه مجهولاً) وهو يتحدث عن الموروث الاجتماعي للزواج في بعض مناطقنا حين يقول: إن الأعراف والتقاليد

على هوامش التغطية التلفزيونية لمهرجان الجنادرية، استمعت إليه (دعوه مجهولاً) وهو يتحدث عن الموروث الاجتماعي للزواج في بعض مناطقنا حين يقول: إن الأعراف والتقاليد، يومذاك – لم تكن تسمح للأب حضور زواج ابنته وكذا الأخ، إذ لا يستحسن حضوره في زواج أخته. يسترسل صاحبنا في سرد تفاصيل الموروث حتى تصل الصورة الكاملة. وبالتقريب، فكأن البنت المتزوجة جثة يستحسن التعجيل بدفنها، وكأنه من العيب على ذويها من الذكور حضور حفل زواجها ومراسيم زفافها إلى الحياة الجديدة. وبكل تأكيد، فأنا لا أناقش اليوم قصة جذورنا في الموروث ونظرة هذا الموروث إلى المرأة. ولست أيضاً في صدد إثبات النظرية الاجتماعية المثبتة التي تتحدث عن وطأة الموروث وتأثيره في العقل الباطن لدى المجتمع الحالي لصعوبة فصل الموروث عن النسق الاجتماعي المعاش.
أنا أتحدث عن المبالغة في احترام الموروث دون فصل جوهري في المسألة، حتى لا يتلبس هذا الموروث في بعض سلبياته الكبرى ثياب الجيل الحديث. وحتى لا يختلط الأمر، فهناك فارق جوهري في المصطلح وتعريفه ما بين التراث وبين الموروث. التراث هو النسق الثقافي الذي كان الأجداد يعيشون له وعليه، والموروث هو ما نأخذه بالمحاكاة والاقتراض، سالباً أم موجباً، من البنك الحسابي لحقبة خلت. خذ هذه الشواهد لتسليط الضوء على الفكرة: المرأة لدينا اليوم معضلة ثقافية كبرى وخطيئة اجتماعية، لأننا نقترض لصورتها ما كان عورة وسلباً دون أن نفكر في الصورة الأخرى للآلاف من صور ونماذج المرأة الموجبة في التراث. نتعمد في وضعها العام أن نحرق صورة التراث لنبقى في قراءة وحيدة لأوراق الموروث. القبيلة في التراث كانت – ذات حقبة – نمطاً من السلوك الحميد الذي يحكم كل شيء في علاقة أبنائها مع بعضهم البعض وفي علاقتهم بالمجتمعات القبلية الأخرى من حولهم. نسينا كل هذا التراث الحميد لمفهوم القبيلة ولم نحتفظ إلا بما كان من الموروث في إعادة خلق مصطلح القبيلة وصبغه بالنزعة الحداثية: مفاخر المجددين، مثالاً، بقوافل الإبل، وهم يزورون مراتعها في سيارات الدفع الرباعي المكيفة. حولنا القبيلة إلى شيء من – الهياط – والمفاخرة حد التظاهر الباذخ تحت سطوة المال المتراكم، رغم أن القبيلة في مفهومها الاجتماعي مجرد نسب للاسم وانتساب للهوية ولا علاقة له بامتياز أو تميز. هي قصة عرق ودم لا علاقة له بشيء من فضيلة على أخرى. انتهي بالقول إن التراث والموروث قد يتحول إلى خطأ اجتماعي جارح إن لم نحسن قصة الاحتفاء به كما يجب.