تتطلب البرامج والإجراءات الرقابية وجود أقسام خاصة لرعاية الحالات الحرجة والتي تحتاج إلى رعاية وعناية متخصصة لشديدي الإعاقة، بحيث يكون موظفو هذه الأقسام من الكفاءات المدربة والمؤهلة مهنياً، كما تتطلب أيضاً وجود كاميرات مراقبة

لا شك أن ما حدث في مركز التأهيل الشامل بمحافظة عفيف، يمثل انتهاكا صارخا للحقوق الإنسانية، والتي أكدت عليها المواثيق والقوانين المحلية والدولية على حد سواء ، فإذا كان العنف وإهانة الكرامة الإنسانية مع الأشخاص العاديين جريمة في حد ذاتها، فما بالك أن تكون مع أشخاص لا حول ولا قوة لهم؟
واللافت للنظر في هذه القضية، ليس شناعة تعامل ممرض المركز مع المعاق ذهنياً فحسب، بل أيضاً وجود عدة أشخاص معه، وكأن ما فعله الممرض يكاد يكون ممارسة عادية، حيث يظهر مقطع الفيديو، قيام الممرض بتعنيف المعاق أمام زملائه دون أدنى مسؤولية أو خوف من أن يقوم أحدهم بالإبلاغ عنه! وكذلك بالنسبة للعاملين الآخرين: كيف سكتوا عن هذه الجريمة ولم يقوموا بالإبلاغ عنها، مع أن ذلك يعرضهم للمساءلة؟ وبالتالي فهم مشاركون في الجريمة بسبب صمتهم وعدم إبلاغهم الجهة المختصة.
والمحزن أكثر في هذا الموضوع، هي تصريحات بعض المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية، والتي تكاد تكون شبه مكررة لتصريحات سابقة في مثل هذه القضايا التي تظهر على السطح الإعلامي، فهي لا تخلو من أن الموضوع جار التحقيق فيه، وأن الموظف أو العامل تمت إحالته لهيئة التحقيق والادعاء العام لينال العقاب والجزاء الرادع.
والمتتبع لمثل هذه التصريحات يجد أيضاً أنها تتضمن تشخيصا لحالة المعاق مثل قول البعض: إن شد الأذن للمريض بهذه الطريقة هو شكل من أشكال العلاج للذين يعانون من تخلف عقلي شديد، أو قول البعض إن بعض المعاقين يعاني من نشاط حركي زائد وصرع وسلوك عدواني.
ونحن أمام عدة احتمالات لمثل هذه التصريحات، منها: بالنسبة لذكر العقوبات والجزاءات فيبدو أن الوزارة تريد أن ترسل رسالة إلى الرأي العام، مفادها أنها اتخذت الإجراءات اللازمة للتعامل مع حالات العنف كنوع من إخلاء المسؤولية. وبالنسبة لذكر حالة المريض، فإما أن الوزارة تريد أن تخفف من هول الصدمة على الرأي العام جراء مثل هذه الجرائم، أو تريد القول إن مثل هذه الحالات تحتاج إلى موظفين وعاملين مؤهلين تأهيلاً عالياً ومدربين، والوزارة تعاني نقصاً شديداً في ذلك. وعلى كل حال، فإن حالات العنف مع ذوي الاحتياجات الخاصة تتكرر من عام إلى آخر، دون وجود إجراءات واضحة للتعامل مع مثل هذه القضايا، وهنا تكمن مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية.
وحتى نفهم طبيعة هذه المسؤولية، في البداية لا بد من الإشارة إلى المادة (16) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تنص على ما يلي:
• تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية وغيرها من التدابير المناسبة لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة، داخل منازلهم وخارجها على السواء، من جميع أشكال الاستغلال والعنف والاعتداء.
• تتخذ الدول الأطراف أيضاً جميع التدابير المناسبة لمنع جميع أشكال الاستغلال والعنف والاعتداء.
• تكفل الدول الأطراف قيام سلطات مستقلة برصد جميع المرافق والبرامج المعدة لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة.
ومن نص المادة السابقة نجد أن مهمة اتخاذ التدابير الإدارية لمنع جميع أشكال الاستغلال والعنف والاعتداء هي من مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية، ومن ذلك على سبيل المثال وجود برامج وإجراءات رقابية مانعة ووقائية بخصوص مخاطر التعامل مع المعاقين من حيث العنف أو الاستغلال والاعتداء، فهل لدى وزارة الشؤون الاجتماعية برامج وإجراءات رقابية؟ وهل يتم رصد أشكال العنف من خلال هذه البرامج، أم يتم الرصد من خلال الشكاوى والوسائل الإعلامية؟
ومن خلال الإجابة على هذه الأسئلة نستطيع تحديد مسؤولية الوزارة بدقة أكثر، كما نستطيع التقليل من مخاطر الاعتداء على المعاقين، ونستطيع كذلك تحديد نقاط القوة والضعف في هذه البرامج من خلال التقييم الدوري لها.
فعلى سبيل المثال تتطلب البرامج والإجراءات الرقابية وجود أقسام خاصة لرعاية الحالات الحرجة والتي تحتاج إلى رعاية وعناية متخصصة لشديدي الإعاقة، بحيث يكون موظفو هذه الأقسام من الكفاءات المدربة والمؤهلة مهنياً، كما تتطلب أيضاً وجود كاميرات مراقبة، ومراجعة طبية للمعاق للتأكد من عدم وجود أية اعتداءات على جسده، ومتابعة مستمرة لحالته، مع وجود برنامج للإشراف يتضمن معايير للجودة النوعية.
هذه هي مسؤولية الوزارة بالتحديد، فإذا لم تكن مثل هذه البرامج موجودة، فلابد للوزارة أن تصرّح بذلك، وتذكر الأسباب، وذلك للعمل على إعدادها وإقرارها وتنفيذها، وإذا كانت هذه البرامج فعلياً موجودة، فما هي مشاكل هذه البرامج ، وكيف يمكن معالجتها؟
هذا فيما يتعلق بالمسؤولية الإدارية، أما بالنسبة للمسؤولية الرقابية والتي تتعلق بالفقرة الخاصة بالمادة (16) من الاتفاقية الدولية والتي تنص على: تكفل الدول الأطراف قيام سلطات مستقلة برصد جميع المرافق والبرامج المعدة لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة..، فهي من مسؤولية الأجهزة الرقابية بشكل عام، فهل قامت هذه الأجهزة بمسؤوليتها وقيّمت مراكز التأهيل الشامل في كافة مناطق المملكة، وأخذت في الاعتبار مسألة الاعتداء على ذوي الاحتياجات الخاصة، وزودت السلطة التشريعية بتقارير موضوعية عن ذلك؟ فإذا لم تقم هذه الأجهزة بمثل هذه المهام، فلماذا؟ وخاصةً إذا علمنا أن حالات العنف قد تداولتها الوسائل الإعلامية، وإذا افترضنا أن الأجهزة الرقابية قامت بمثل هذه المهام، فأين هي نتائج التقييم؟
في النهاية، هناك حاجة ماسة لأن تقوم كل من وزارة الشؤون الاجتماعية، وهيئة حقوق الإنسان، والأجهزة الرقابية، برصد جميع المرافق والمراكز المعدة لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة رصداً فعالاً للحيلولة دون حدوث جميع أشكال الاستغلال والعنف والاعتداء، مع وضع البرامج الإشرافية اللازمة لذلك، فإخواننا وأبناؤنا من ذوي الاحتياجات الخاصة، هم أمانة في أعناقنا، فإذا تم خذلانهم اجتماعياً، فلا نخذلهم في الأعمال والوظائف التي تتعلق بخدمتهم وحمايتهم.